كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَلَا أَحْقَرَ، وَلَا أَغْيَظَ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ"، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَد رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ (¬1) المَلَائِكَةَ" (¬2).

* الهَزِيمَةُ السَّاحِقَةُ:
وَحِينَئِذٍ أَصْدَرَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَوَامِرَهُ الأَخِيرَةَ بِالهُجُومِ الكَاسِحِ فَقَالَ: "شُدُّوا" (¬3)، فَبَدَأَ الصَّحَابَةُ بِالهُجُومِ فَجَعَلُوا يَقْلِبُونَ الصُّفُوفَ، وَيُقَطِّعُونَ الأَعْنَاقَ، وَزَادَهُمْ نَشَاطًا وَحِدَّةً لِمَا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَثِتُ فِي الدِّرْعِ، وَيَقُولُ فِي جَزْمٍ وَصَرَاحَةٍ: "سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" (¬4)، فَقَاتَلَ المُسْلِمُونَ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَأَعَانَتْهُمُ المَلَائِكَةُ.
وَبَدَأَتْ أَمَارَاتُ (¬5) الفَشَلِ وَالِاضْطِرَابِ فِي صُفُوفِ المُشْرِكِينَ، وَجَعَلَتْ
¬__________
(¬1) الوازع: الذي يتقدَّم الصف فيصلحه ويُقدّم ويُؤخِّر. انظر جامع الأصول (9/ 264).
(¬2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - في الحج - باب جامع الحج - رقم الحديث (245) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (6866).
(¬3) انظر سيرة ابن هشام (2/ 240).
(¬4) سورة القمر آية (45) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} - رقم الحديث (3953) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} - رقم الحديث (4875).
(¬5) الأمَارَة: العلامة. انظر لسان العرب (1/ 208).

الصفحة 423