كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
بِبَدْرٍ اليَوْمُ الثَّالِثُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ، فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَتَبِعَهُ أصْحَابَهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَاهُ يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرِّكيِّ (¬1)، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِم: "يَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ، وَفُلَانَ بنَ فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ".
فَقَالَ عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ".
قَالَ قتادَةُ: أحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أسْمَعَهُمْ قَوْله، تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا، وَنَقِيمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا (¬2).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنسٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم: "يَا أبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، يَا عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ (¬3)، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإنِّي
¬__________
= وقال ابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (6/ 297): إنما كان يُقِيم ليظهر تأثير الغلبة فكأنه يقول: من كانتْ فيه قوة منكم فليرجعْ إلينا.
(¬1) قال الحافظ في الفتح (8/ 32): شَفَةُ الرَّكيِّ: أي طرف البئر.
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (3976) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه - رقم الحديث (2873) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (16359).
(¬3) قال الحافظ في الفتح (8/ 33): وفي بعض مَن ذُكِرَ نَظَرٌ، لأن أمية بن خلف لم يكن =