كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (¬1).
كَانَ مَا أَجَابَ بِهِ بَنُو قَيْنُقَاعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- هُوَ الإِعْلَانُ السَّافِرُ بِالحَرْبِ، وَزَادَ يَهُودُ بَنِي قَيْنُقَاعَ جُرْأَةً، فَقَلَّمَا لَبِثُوا أَنْ أَثَارُوا فِي المَدِينَةِ قَلَقًا وَاضْطِرَابًا، فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ العَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ (¬2) لَهَا، فَبَاعَتْهُ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إِلَى صَائِغٍ، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمَدَ الصَّائِغُ إِلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا، فَعَقَدَهُ إِلَى ظَهْرِهَا -وَهِيَ غَافِلَةٌ- فَلَمَّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى الصَّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الصَّائِغُ يَهُودِيًّا، فَشَدَّتِ اليَهُودُ عَلَى المُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ المُسْلِمِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ، فَغَضِبَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ (¬3).
¬__________
(¬1) سورة آل عمران آية (12 - 13) - والحديث أخرجه ابن إسحاق في السيرة (3/ 53) - وأبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة - رقم الحديث (3001) - وأورده الحافظ في الفتح (8/ 71) - وحسن إسناده.
(¬2) الجَلَبُ: ما يُجْلَبُ للبَيْعِ من كل شيء. انظر النهاية (1/ 273).
(¬3) انظر سيرة ابن هشام (3/ 54) - البداية والنهاية (4/ 376).

الصفحة 525