كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
مَوَالِيَّ، أَرْبَعَمِائَةِ حَاسِرٍ (¬1) وَثَلاثُمِائَةِ دَارعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ ، إِنِّي وَاللَّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ (¬2)، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هُمْ لَكَ" (¬3).
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يُجْلَوْا (¬4) مِنَ المَدِينَةِ بِذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَأَمْهَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَوَكَّلَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ -رضي اللَّه عنه-.
فَأَخَذَهُمْ عُبَادَةُ -رضي اللَّه عنه- بِالرَّحِيلِ وَالإِجْلَاءِ، وَطَلَبُوا التَّنَفُّسَ (¬5)، فَقَالَ لَهُمْ عُبَادَةُ: وَلَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَكُمْ ثَلَاثٌ لَا أَزِيدُكُمْ عَلَيْهَا، هَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا مَا نَفَّسْتُكُمْ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثٌ خَرَجَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى سَلَكُوا إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ خَلْفَ ذُبَابٍ (¬6)، ثُمَّ رَجَعَ.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ
¬__________
(¬1) الحَاسِرُ: هو الذي لا دِرْعَ عليه ولا مِغْفَر، والمِغْفَر: هو ما يلبسه الدارع على رأسه. انظر النهاية (1/ 369) (3/ 336).
(¬2) الدائرة: أي الغَلَبَة. انظر النهاية (2/ 130).
(¬3) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (3/ 54) وإسناده مرسل صحيح.
(¬4) الجَلَاءُ: الخُرُوج عن البلد. انظر لسان العرب (2/ 343).
(¬5) يُقال: لك في هذا الأمر نُفَسَة: أي مُهْلة. انظر لسان العرب (14/ 236).
(¬6) ذُباب: هو جبلٌ بالمدينة. انظر النهاية (2/ 141).
الصفحة 527