كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَرَأَيْنَهَا سَيِّئَةَ الهَيْئَةِ، فَقُلْنَ لَهَا: مَالَكِ؟ فَمَا فِي قُرَيْشٍ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ (¬1)! قَالَتْ: مَا لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ أَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ، وَأَمَّا نَهَارُهُ فَصَائِمٌ (¬2).
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِعَمَلِ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -رضي اللَّه عنه- مُرَابَطَتُهُ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ يَجْرِي لَهُ عَمَلُهُ كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ" (¬3).
وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ -رضي اللَّه عنه- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ" (¬4).
¬__________
(¬1) البَعْلُ: الزَّوْجُ. انظر النهاية (1/ 140).
ومنه قوله تعالى في سورة النساء آية (128): {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا. . .}.
(¬2) أخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (316).
(¬3) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في فضل الرباط - رقم الحديث (2500) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر انقطاع الأعمال بعد الموت وبقاء عمل المرابط - رقم الحديث (4624) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (23951).
(¬4) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب فضل الرباط في سبيل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - =

الصفحة 538