كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَقَالُ: "أَسْلِمُوا". فَأَبَوْا، فَقَالَ لَهُمْ: "فَلْيَرْجِعُوا فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ" (¬1).
* مُتَابعَةُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسِيرَهُ إِلَى أُحُدٍ:
ثُمَّ قَامَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعْدَ رُجُوعِ المُنَافِقِينَ بِبَقِيَّةِ الجَيْشِ -وَهُمْ سَبْعُمِائَةِ مُقَاتِلٍ- لِيُوَاصِلَ سَيْرَهُ نَحْوَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مُعَسْكَرُ المُشْرِكِينَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُحُدٍ في مَنَاطِقَ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ (¬2) مِنْ طَرِيقٍ لَا يَمُرُّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟ ".
فَقَامَ أَبُو حَثَمَةَ الْحَارِثِيُّ -رضي اللَّه عنه- فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ اخْتَارَ طَرِيقًا قَصِيرًا إلى أُحُدٍ، يَمُرُّ بِحَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ وَبِمَزَارِعِهِمْ، حَتَّى مَرَّ بِحَائِطٍ (¬3) لِمِرْبَعِ بنِ قَيْظِيٍّ، وَكَانَ رَجُلًا مُنَافِقًا ضَرِيرَ البَصَرِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالجَيْشِ قَامَ يَحْثُو (¬4) في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ حَائِطِي، ثُمَّ أَخَذَ حَفْنَةً (¬5) مِنْ تُرَابٍ في يَدِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَا غَيْرَكَ يَا مُحَمَّدُ لَضَرَبْتُ بِهَا وَجْهَكَ، فَابْتَدَرَ (¬6) إِلَيْهِ سَعْدُ بنُ زَيْدٍ الأَشْهَلِيُّ -رضي اللَّه عنه-، فَضَرَبَهُ
¬__________
(¬1) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - باب لا نستعين بالمشركين على المشركين - رقم الحديث (2610) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (2580).
(¬2) الكَثَبُ: القُرْب. انظر النهاية (4/ 132).
(¬3) الحائطُ: هو البُسْتان. انظر النهاية (1/ 444).
(¬4) حثَا: رَمى. انظر النهاية (1/ 327).
(¬5) الحفْنَة: هي ملءُ الكَفِّ. انظر النهاية (1/ 393).
(¬6) بدرَتْ إن الشيء: أسرَعَتْ. انظر لسان العرب (1/ 340).
الصفحة 581