كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ -رضي اللَّه عنه-، رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ (¬1) في الحَرْبِ، وَكَانَتْ لَهُ عِصَابَةٌ (¬2) حَمْرَاءُ إِذَا اعْتَصَبَ بِهَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ حَتَّى المَوْتِ، فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ عَصَبَ رَأْسَهُ بِتِلْكَ العِصَابَةِ ثُمَّ جَعَلَ يتبَخْتَرُ (¬3) بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَلَمَّا رَآه الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- يتبَخْتَرُ قَالَ: "إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يبغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا في مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ" (¬4).

* جَوَازُ إِظْهَارِ الكِبْرِ في الحَرْبِ:
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ في الأَحْوَالِ العَامَّةِ، تَزُولُ حُرْمَتُهَا في حَالَاتِ الحَرْبِ، فَمِنْ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ أَنْ يَسِيرَ المُسْلِمُ في الأَرْضِ مَرَحًا (¬5) مُتَبَخْتِرًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ في مَيْدَانِ القِتَالِ أَمْرٌ حَسَنٌ، وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَمِنْ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ تَزيينُ البُيُوتِ أَوِ الأَوَانِي وَالأَقْدَاحِ بِالذَّهَبِ
¬__________
= دجانة - رقم الحديث (2470) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (12235).
(¬1) يُقال: اختَال، يختَالُ: إذا تكبر. انظر النهاية (2/ 84).
(¬2) العِصَابة: هي كل ما عَصَبْتَ به رأسك من عِمَامة أو مِنْدِيل أو خِرقة. انظر النهاية (3/ 220).
(¬3) المتبَخْتِر: هو المتكبِّر في مشيتهِ المُعْجَبُ بنفسه. انظر النهاية (1/ 101).
(¬4) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (3/ 233 - 234).
(¬5) قال اللَّه تَعَالَى في سورة لقمان آية (18): {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا}.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (6/ 339): أي متكبرًا جَبّارًا عَنِيدًا، لا تفعل ذلك يبغِضُك اللَّه، ولهذا قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: مختال معجَبٍ في نفسه، فخورٍ: أي على غيره.

الصفحة 586