كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
أَلَّا أَقُومَ الدَّهْرَ في الكُيُولِ (¬1) ... اضْرِبْ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ
فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قتلَهُ، وَكَانَ في المُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَنَا جَرِيحًا إِلَّا ذَفَّفَ (¬2) عَلَيْهِ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ، فَدَعَوْتُ اللَّه أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالْتَقَيَا، فَاخْتَلفا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَ المُشْرِكُ أَبَا دُجَانَةَ، فَاتَّقَاهُ بدُرْقَتِهِ (¬3)، فَعَضَتْ بِسَيْفِهِ (¬4)، فَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ أَمْعَنَ (¬5) أَبُو دُجَانَةَ -رضي اللَّه عنه- في الصُّفُوفِ حَتَّى انتهَى إلى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ الجَبَلِ، فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ عَلَى مَفْرَقِ رَأْسِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا.
قَالَ الزُّبَيْرُ -رضي اللَّه عنه-: فَلَمَّا انْكَشَفَ القِتَالُ، قُلْتُ لِأَبِي دُجَانَةَ: كُلُّ عَمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ، مَا خَلَا رَفْعِكَ السَّيْفَ عَلَى المَرْأَةِ لِمَ لَمْ تَضْرِبْهَا.
فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ -رضي اللَّه عنه-: رَأَيْتُ إِنْسَانًا يُحْمِشُ (¬6) النَّاسَ حَمْشًا شَدِيدًا، فَصَمَدْتُ لَهُ، فَلَمَّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ وَلْوَلَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ، فَأَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً (¬7).
¬__________
(¬1) الكُيُول: مؤخِّرة الصفوف. انظر النهاية (4/ 190).
(¬2) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه وقتله. انظر النهاية (2/ 150).
(¬3) الدرقَةُ: هي الترسُ من جلودٍ ليس فيه خشَبٌ ولا عقب. انظر لسان العرب (4/ 333).
(¬4) عَضَتْ بسيفِهِ: أي لزمتْهُ ولَزِقَت به. نظر لسان العرب (9/ 257).
(¬5) أمْعَنَ: أي جَدَّ وأبعَد. انظر النهاية (4/ 293).
(¬6) يُحمِشُ الناس: أي يسُوقُهم بغضب. انظر النهاية (1/ 423).
(¬7) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر شجاعة أبي دجانة - رقم =
الصفحة 593