كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعَ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُكَ غَدًا قُلْتَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ فِيمَ جُدِعَ أنْفُكَ وَأُذُنُكَ؟ فَأَقُولَ: فِيكَ وَفِي رَسُولكَ، فَيَقُولَ: صَدَقْتَ.
قَالَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رضي اللَّه عنه-: يَا بَنِيَّ كَانَتْ دَعْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ خَيْرًا مِنْ دَعْوَتِي، لَقَدْ رَأَيْتُهُ آخِرَ النَّهَارِ، وَإِنَّ أُذُنَهُ وَأَنْفَهُ لَمُعَلَّقَاتٍ في خَيْطٍ (¬1).
هَذِهِ صُورَةٌ لِلرُّجُولَةِ الفَارِعَةِ (¬2) التِي اصْطَدَمَ بِهَا الكُفْرُ أَوَّلَ المَعْرَكَةِ وَآخِرَهَا، فَمَادَ (¬3) أَمَامَهَا، وَاضْطَرَبَتْ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِ الأَرْضُ، فَمَا رَبِحَ شَيْئًا في بِدَايَةِ القِتَالِ، وَلَا انتفَعَ بِمَا رَبِحَ آخِرَهُ. . . مَنْ سِرُّ هَذَا الإِلْهَامِ؟ مَنْ مُشْرِقُ هَذَا الضِّيَاءَ؟ مَنْ مُبْعِثُ هَذَا الِاقْتِدَارِ؟ إِنَّهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-! إِنَّهُ هُوَ الذِي رَبَّى ذَلِكُمُ الجِيلَ الفَذَّ، وَمِنْ قَلْبِهِ الكَبِيرِ أُتْرِعَتْ (¬4) هَذِهِ القُلُوبُ تَفَانِيًا في اللَّهِ، وَإِيثَارًا لِمَا عِنْدَهُ (¬5).

* مَقْتَلُ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ -رضي اللَّه عنه-:
وَسَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ -رضي اللَّه عنه- هُوَ الذِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -رضي اللَّه عنه-، وَكَانَ -رضي اللَّه عنه- مِنْ أَغْنِيَاءَ الأَنْصَارِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ في
¬__________
(¬1) أخرجه الحاكم في المستدرك صححه - كتاب الجهاد - باب من سأل اللَّه القتل من عند نفسه - رقم الحديث (2456) - وأورده الحافظ في الفتح (6/ 378) وصحح إسناده.
(¬2) الفارعَةُ: العالية. انظر لسان العرب (10/ 238).
(¬3) مادَ: زاغَ. انظر لسان العرب (13/ 229).
(¬4) ترع: امتلأَ. انظر لسان العرب (2/ 29).
(¬5) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 263.

الصفحة 602