كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَصَاحِبَهُ أَبَا بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-. قَالَ سُرَاقَةُ: فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُمْ حَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الصَّوْتُ، عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الذِي أَكْرَهُ: أَنْ لَا أَضُرَّهُمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ، وَرَكِبْتُ فَرَسِي، حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، وَسَمِعْتُ قِرَاءَةً رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهُوَ لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّلَبُ (¬1) قَدْ لَحِقَنَا، فَقَال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا".
حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا، وَبَكَى، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لِمَ تَبْكِي؟ ".
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى سُرَاقَةَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ" (¬2).
قَالَ سُرَاقَةُ: فَسَاخَتْ (¬3) يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ حَتَّى بَلَغتا الرُّكْبَتَيْنِ (¬4)،
¬__________
(¬1) الطَّلَبُ: أي أهلُ الطَّلَبِ. انظر النهاية (3/ 119).
(¬2) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (3911) قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ".
(¬3) سَاخَتْ: أي غَاصَتْ. انظر النهاية (2/ 374).
(¬4) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (3615) - ومسلم - رقم الحديث =

الصفحة 62