كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَكَانَتْ تُقَاتِلُ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ القِتَالِ، وأَبْلَتْ بَلَاءً حَسَنًا، وَإِنَّهَا لَحَاجِزَةٌ (¬1) ثَوْبَهَا عَلَى وَسَطِهَا، حَتَّى جُرِحَتْ اثْنَيْ عَشَرَ جُرْحًا، وكَانَ قَدْ ضَرَبَهَا ابنُ قَمِئَةَ -قبَّحَهُ اللَّهُ- ضَرْبَةً عَلَى عَاتِقِهَا (¬2)، وَكَانَ أَعْظَمَ جِرَاحِهَا، فَدَاوَتْهُ سَنَةً، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ يُطِيقُ مَا تُطِيقِينَ يَا أُمَّ عِمَارَةَ؟ "، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ نُرَافِقَكَ في الجَنَّةِ. فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي في الجَنَّةِ". فَقَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا أُبَالِي مَا أَصَابَنِي مِنَ الدُّنْيَا (¬3).
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيُدْهَشُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَاعَةِ التِي لَا نَكَادُ نَجِدُ لَهَا مِثَالًا في تَارِيخِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ لِهَذِهِ السَّيَدَةِ البَطَلَةِ لَتَارِيخًا حَافِلًا في بَابِ الجِهَادِ في الإِسْلَامِ، . . . وَشَهِدَتْ كَذَلِكَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأَبْلَت بَلَاءً حَسَنًا في حُرُوبِ الرِّدَّةِ (¬4).

* جِهَادُ النِّسَاءِ:
وَلقدْ ضَرَبَ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ العَظِيمَةِ، فكُنَّ يَسْقِينَ العَطْشَى، وَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: . . . وَلقدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ،
¬__________
(¬1) احتَجَزَ الرجُلُ بالإزَارِ: إذا شده على وَسَطِه. انظر النهاية (1/ 332).
(¬2) العَاتِقُ: ما بين المِنْكَبِ والعُنُق. انظر لسان العرب (9/ 38).
(¬3) انظر الطبَّقَات الكبْرى لابن سعد (8/ 441) - سير أعلام النبلاء (2/ 279) - سيرة ابن هشام (3/ 91).
(¬4) انظر السِّيرة النَّبوِية في ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة (2/ 203).

الصفحة 642