كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَمِمَّنْ مُثِّلَ بِهِ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -رضي اللَّه عنه-، قَطَعُوا أَنْفَهُ وَأُذُنَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَرُوا بَطْنَهُ -رضي اللَّه عنه- (¬1).

* شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ نِهَايَةِ المَعْرَكَةِ:
فَلَمَّا أَرَادَ المُشْرِكُونَ الِانْصِرَافَ، أَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الجَبَلِ، فَنَادَى المُسْلِمِينَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا تُجِيبُوهُ"، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ أَبِي قُحَافَةَ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا تُجِيبُوهُ"، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا تُجِيبُوهُ".
ثُمَّ رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ (¬2)، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ (¬3).
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالأَيَّامُ دُوَلٌ (¬4)، وَالحَرْبُ سِجَالٌ (¬5)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ.
¬__________
(¬1) انظر سيرة ابن هشام (3/ 101) - دلائل النبوة للبيهقي (2/ 213).
(¬2) في رواية الإمام أحمد في المسند، قال عمر -رضي اللَّه عنه-: يا رَسُول اللَّهِ، ألا أجيبه؛ قال: "بلى".
(¬3) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (3039) - قال عمر -رضي اللَّه عنه-: إن الذينَ عدَدْتَ لأحيَاءٌ كُلُّهم، وقد بقيَ لك ما يَسُوءُك.
(¬4) دالَتِ الأيام: أي دَارَتْ. انظر لسان العرب (4/ 444).
(¬5) الحربُ سِجَالٌ: أي مرَّة لنا ومرَّة علينا. انظر النهاية (2/ 310).

الصفحة 656