كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

مُسْتَخْفِيَيْنِ مَرَّا بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا فَاسْتَسْقَيَاهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَاةٌ تُحْلَبُ غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا عَنَاقًا (¬1) حَمَلَتْ أَوَّلَ الشِّتَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَتْ، وَمَا بَقِيَ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالَ: "ادْعُ بِهَا"، فَدَعَا بِهَا فَاعْتَقَلَهَا (¬2) النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَمَسَحَ ضَرْعَهَا (¬3) وَدَعَا حَتَّى أَنْزَلَتْ، قَالَ: وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه- بِمِحْجَنٍ (¬4)، فَحَلَبَ فَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ حَلَبَ فَسَقَى الرَّاعِي، ثُمَّ حَلَبَ فَشَرِبَ، فَقَالَ الرَّاعِي: بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَوَتُرَاكَ تَكْتُمُ عَلَيَّ حَتَّى أَخْبِرُكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، فَقَالَ الرَّاعِي: أَنْتَ الذِي تَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّهُ صَابِئٌ (¬5)، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ ذَلِكَ"، فَقَالَ الرَّاعِي: فَأَشْهَدُ إِنَّكَ نَبِيٌّ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ إِلَّا نَبِيٌّ وَأَنَا مُتَّبِعُكَ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنَا" (¬6).
¬__________
(¬1) العَنَاق: هي الأنْثَى من أولاد المَعْزِ ما لم يتمَّ له سَنة. انظر النهاية (3/ 281).
(¬2) اعتَقَل الشاة: هو أن يضعَ رِجْلها بين ساقِهِ وفخذِه ثم يَحلب، وقد مرَّ شرحها. انظر النهاية (3/ 255).
(¬3) الضَّرْعُ: ثديُ الشاة، وقد مر شرحها. انظر فتح الباري (7/ 332).
(¬4) المِحْجَنُ: عَصا مُعَقَّفَةُ الرأس. انظر النهاية (1/ 335).
(¬5) يُقال: صَبَأَ فلان: إذا خرَجَ من دينٍ إلى دينٍ غيره، وكانتِ العربُ تُسمي الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الصابِئَ؛ لأنه خَرج من دينِ قُريش إلى دين الإسلام. انظر النهاية (3/ 3).
(¬6) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب ذكر مقامات مرور النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند الهجرة - رقم الحديث (4332) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (2/ 497).

الصفحة 70