كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
* قِصَّةُ أُمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةُ:
أَكْمَلَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- طَرِيقَهُ إِلَى المَدِينَةِ وَمَعَهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي اللَّه عنه- وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -رضي اللَّه عنه-، وَالدَّلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ، وَفِي الطَّرِيقِ مَرُّوا عَلَى خَيْمَةِ أَمٍّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَ مَنْزِلُهَا بِقُدَيْدٍ (¬1)، وَكَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً (¬2) جَلْدَةً (¬3) تَحْتَبِي (¬4) بِفِنَاءِ (¬5) الخَيْمَةِ، ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ مَنْ مَرَّ بِهَا، فَسَأَلَاهَا: لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يَجْدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ القَوْمُ مُرْمِلِينَ (¬6) مُسْنِتِينَ (¬7)، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى شَاةٍ فِي جَانِبِ الخَيْمَةِ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ "، قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الجَهْدُ (¬8) عَنِ الغَنَمِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ "، قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَتأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟ "، قَالَتْ: إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا، فَاحْلِبْهَا، فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَمَسَحَ بِيَدِهِ
¬__________
(¬1) قُدَيدٌ: مُصَغَّرًا، وهو موضعٌ بين مكةَ والمدينة. انظر النهاية (4/ 20).
(¬2) يُقال: امرأة بَرْزَة إذا كانت كَهْلة لا تَحْتَجِبُ احتِجَابَ الشَّوابِّ، وهي مع ذلك عَفِيفة عاقلة تجلسُ للناسِ وتُحَدِّثهم، من البُرُوزِ وهو الظُّهور والخروج. انظر النهاية (1/ 118).
(¬3) جَلْدَة: أي قوية في نفسها وجسمها. انظر النهاية (1/ 275).
(¬4) الاحتِبَاء: هو أن يَضُم الإنسان رِجليه إلى بَطْنِهِ بثوبٍ يجمعهما به مع ظَهره، ويَشُدُّه عليها، وقد يكون الاحتباءُ باليدين عِوَض الثوب. انظر النهاية (1/ 324).
(¬5) الفِنَاء: بكسر الفاء، وهو المُتَّسَع أمام الدار. انظر النهاية (3/ 428).
(¬6) مُرْمِلِينَ: أي نَفِدَ زَادُهم. وأصله من الرَّمل، كأنهم لصقوا بالرمل. انظر النهاية (2/ 240).
(¬7) مسْنِتِينَ: أي أصابتهم السَّنَة، والسَّنَة هي الجَدْبُ، يُقال أخذتهم السَّنَة إذا أجدبوا وأُقحطوا. انظر النهاية (2/ 371).
(¬8) الجَهْدُ: بفتح الجيم أي المشقَّة. انظر النهاية (1/ 308).
الصفحة 71