كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

فَضْلُ وَمَكَانَةُ المُهَاجِرِينَ
هَذَا هُوَ حَدِيثُ الهِجْرَةِ التِي كَانَتْ فَاتِحَةَ تَارِيخٍ جَلِيل لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ، . . . وَكَانَتِ الهِجْرَةُ النُّقْطَةَ الفَاصِلَةَ فِي التَّارِيخِ بَيْنَ عَهْدٍ مُظْلِمٍ مُضْطَرِبٍ تُحْتَضَرُ فِيهِ الحَضَارَةُ، وَعَهْدٍ زَاهِرٍ سَعِيدٍ وُلدَتْ فِيهِ حَضَارَةٌ جَدِيدَةٌ أَضَاءَتْ لِلْعَالَمِ طَرِيقَ المَجْدِ وَالفَلَاحِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ المُهَاجِرُونَ الذِينَ تركُوا دُورَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَبِلَادَهُمْ وَأَوْطَانَهُمْ، وَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَفْضَلَ المُسْلِمِينَ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً، وَأَكْثرهُمْ ثَوَابًا (¬1).
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (¬2).
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: خَرَجُوا إِلَى دَارِ الهِجْرَةِ طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (¬3).
وَقَالَ قَتَادَةُ: هَؤُلَاءَ المُهَاجِرِينَ الذِينَ تركُوا الدِّيَارَ وَالأَمْوَالَ وَالعَشَائِرَ
¬__________
(¬1) انظر كتاب "أبو بكر الصديق" للشيخ علي الطنطاوي رحمه اللَّه تعالى ص 114.
(¬2) سورة الحشر آية (8).
(¬3) انظر تفسير البغوي (4/ 358).

الصفحة 85