كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
* مِنْ فَضَائِلِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ (¬1) -رضي اللَّه عنه-:
وَقَدْ لَاحَظَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه- مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِقُبَاءَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً لَا زَوْجَ لَهَا، وَرَأَى إِنْسَانًا يَأْتيهَا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فتَخْرُجُ إِلَيْهِ فَيُعْطِيهَا شَيْئًا مَعَهُ، فَتَأْخُذُهُ، قَالَ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه-: فَاسْترَبْتُ (¬2) بِشَأْنِهِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ! مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِي يَضْرِبُ عَلَيْكِ بَابَكِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فتَخْرُجِينَ إِلَيْهِ فيعْطِيكِ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَا زَوْجَ لَكِ؟
قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بنُ حُنَيْفِ بنِ وَاهِبٍ، قَدْ عَرَفَ أَنِّي امْرَأَةٌ لَا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوْمِهِ فكسَرَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي بِهَا، فَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه- يَأْثِرُ (¬3) ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ -رضي اللَّه عنه-، حِينَ هَلَكَ عِنْدَهُ بِالعِرَاقِ (¬4).
وَقَدْ كَانَ لَا يَزَالُ بِالمَدِينَةِ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَوْثَانٌ يَعْبُدُهَا رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ قَوْمُهُمْ عَلَى تِلْكَ الأَوْثَانِ فَهَدَمُوهَا.
¬__________
(¬1) هو سَهْلُ بن حُيفٍ الأوسي الأنصاري، من السابقين، شَهِد بدرًا وثبت يوم أُحد حين انكشفَ الناس، وبايعَ يومئذ على الموت، وكان ينفحُ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالنَّبْلِ، وشهد أيضًا الخندق، والمشاهد كلها، واستخلفَهُ علي -رضي اللَّه عنه- على البصرة بعد معركةِ الجَمَل، ثم شهد معه صِفِّين.
توفي -رضي اللَّه عنه- بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه عليّ -رضي اللَّه عنه-. انظر أسد الغابة (2/ 388).
(¬2) استرَبْتُ: أي شَكَكْتُ بشأنِهِ. انظر النهاية (2/ 260).
(¬3) يأثِر ذلك: أي يَرْوِي ويحكي عنه ذلك. انظر النهاية (1/ 26).
(¬4) انظر سيرة ابن هشام (2/ 107).
الصفحة 87