كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
وَأَبْكِي، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَحَوَّلْ" (¬1) فتَحَوَّلْتُ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثي فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَاُبهُ.
ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَدْرٌ وَأُحُدٌ.
قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كَاتِبْ (¬2) يَا سَلْمَانُ"، كَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِ مِئَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالفَقِيرِ (¬3) وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً (¬4)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ: "أَعِينُوا أَخَاكُمْ"، فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ: الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةٍ (¬5)، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرَةٍ -يَعْنِي: الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ- حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُ مِئَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا (¬6)، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتني أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدِي".
قَالَ سَلْمَانُ: فَفَقَّرْتُ لَهَا، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَعِي إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِيَدِهِ، فَوَالذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ
¬__________
(¬1) تحَوَّل: من حالَ يَحُول إذا تحرَّك. انظر النهاية (1/ 445).
(¬2) المُكاتَبَة: هو أن يُكاتِبَ الرجل عَبْده على مالٍ يؤدِّيه إليه مُفَرقًا، فإذا أدَّاه صارَ حُرًّا. انظر النهاية (4/ 129) - جامع الأصول (8/ 90).
(¬3) فَقِير النخلةِ: حُفرةٌ تُحْفَرُ للفَسِيلَة إذا حُوّلت لتُغْرَس فيها. انظر النهاية (3/ 415).
(¬4) الأُوقِيَّة: بضم الهمزة وتشديد الياء، هي أربعون دِرْهمًا. انظر النهاية (1/ 80).
(¬5) الوَدِيُّ: بتشديد الياء: صِغَار النخل، الواحدة وديَّة. انظر النهاية (5/ 148).
(¬6) فَقّر لها: أي أحفر لها مَوضعًا تُغْرَس فيه. انظر النهاية (3/ 415).
الصفحة 97