كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 2)

478 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عَمرو بن الحارث (¬1)، أنَّ عبد ربِّه بن سعيد (¬2) حَدّثَه، أنَّ داودَ بن أبي هند حَدثه، عَن عامرٍ الشَّعبي، عن مسروقِ بن الأجْدع أنَّه سمعَ عائشةَ زوجَ النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬3) تَقُول: أعظَم الفِرية على الله [عز وجل] (¬4) من قال ثلاثةً: مَن قال: إنَّ محمدًا رأى ربَّه، وإنَّ محمدًا كتَمَ شيئًا من الوَحي، وإنَّ محمدًا [-صلى الله عليه وسلم-] (¬5) يعلم ما في غَدٍ. قال [فقلت] (¬6): يا أُمَّ المؤمنين
-[160]- وَمَا رآه؟ قالَتْ: لا، إنَّما ذاك جبريل [- عليه السلام -] (¬7) رآه مرتين في صورته: مرَّةً بالأفق الأعلى، ومرةً سَادًّا أُفُقَ (¬8) السّماءِ" (¬9).
¬_________
(¬1) ابن يعقوب بن عبد الله الأنصاري، أبو أمية المدني.
(¬2) ما بين هذين النجمين -أولاهما في الحديث السابق- ساقط من (م). وعبد ربِّه بن سعيد هو: ابن قيس بن عمرو الأنصاري المدني، أخو يحيى بن سعيد الأنصاري.
انظر: طبقات ابن سعد (الجزء المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم- ص: 338)، العلل رواية عبد الله بن أحمد (1/ 513).
(¬3) قوله: "زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-" ليست في (ط)، و (ك).
(¬4) ما بين المعقوفتين من (ط) و (ك).
(¬5) ما بين المعقوفتين من (ط) و (ك).
(¬6) ما بين المعقوفتين من (ط) و (ك).
(¬7) ما بين المعقوفتين من (ط) و (ك).
(¬8) في (ط) و (ك): "آفاق".
(¬9) أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (554) عن يونس بن عبد الأعلى -شيخ المصنِّف- عن ابن وهب به.
وعلى هامش (ك) النص التالي: "بلغت قراءة على ابن الخضري -أو الحصري-".
مبحثان:
المبحث الأول: هل رأى محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- ربه عز وجل؟
حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- السابق برقم (448 - 451) ولفظه: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، وحديث أبي ذر -رضي الله عنه- برقم (452 - 453) ولفظه: "نورٌ أنَّى أراه" مقتضاهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ير ربَّه في الدنيا بعينه.
وقول ابن عباس -رضي الله عنه- السابق برقم (467 - 469) أفاد أنه -صلى الله عليه وسلم- رآه بفؤاده، وجاءت روايات أخرى عن ابن عباسٍ -عند غير المصنِّف- مطلقة في رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- لربه غير مقيدة بالفؤاد أو القلب، وهناك روايات عنه أيضًا في أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه ببصره.
وأما عائشة رضي الله عنها -كما سبق برقم (473 - 487) - فتنفي رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- لربه.
وطريقة الجمع بين هذه الأحاديث أن يقال: إن حديث أبي موسى وأبي ذر رضي الله عنهما على ظاهره في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ير ربه بعينه في الدنيا.
وأما الروايات عن ابن عباس فرواية أنه رآه بعينه لم تصح عنه، قال الحافظ ابن كثير: "من روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيءٌ عن الصحابة -رضي الله عنهم-، وقول البغوي في تفسيره: "وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن =
-[161]- = وعكرمة) فيه نظر، والله أعلم". تفسير ابن كثير (4/ 4/ 267).
وأما الروايات المطلقة فتحمل على المقيدة بالفؤاد أو القلب.
بعد هذا تبقى الروايات عن عائشة رضي الله عنا في نفي الرؤية، والروايات عن ابن عباس في إثباتها فيحمل قول عائشة رضي الله عنها في نفي الرؤية على نفي رؤية العين في الدنيا، وقول ابن عباس -رضي الله عنه- في إثبات الرؤية بالفؤاد أو القلب.
ولم تأت رواية عن عائشة رضي الله عنها أنها نفت رؤية الفؤاد، وبهذا تلتئم الروايات، أشار إلى هذا الجمع الحافظ ابن حجر في الفتح (8/ 474).
وللاستزادة حول هذا الموضوع ينظر:
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/ 385 - 391) و (6/ 507 - 510)، العلو للذهبي (ص: 81)، مختصر العلو للذهبي للشيخ الألباني (ص: 116 - 120)، رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها للدكتور أحمد الحمد (ص: 138 - 187).
المبحث الثاني: من المَعْنِيّ بقوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)} الآيات.
وترجمة المصنِّف -كما سبق في مبتدأ الرد على الجهمية- تدلُّ على أنه -رحمه الله تعالى- يذهب إلى أنَّ المراد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دنا من رب العزة، والرب سبحانه وتعالى دنا منه قاب قوسين أو أدنى. أخذه من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس وفيه: "ودنا الجبار رب العزة تبارك وتعالى فتدلى، حتى كان قاب قوسين منه أو أدنى"، انظر: ح (426)، وسبق أيضًا أن هذه اللفظة من الألفاظ التي أنكرت على شريك في روايته لحديث الإسراء، انظر الكلام على رواية شريك في ح: (412).
قال البيهقي رحمه الله تعالى: "وقد ذكر شريك بن أبي نمر في روايته هذه ما يستدل بها على أنه لم يحفظ الحديث كما ينبغي له؛ من نسيانه ما حفظه غيره ... " إلى أن قال: "وقد خالفه فيما تفرد به منها: عبد الله بن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة رضي الله عنهم، وهم أحفظ وأكبر وأكثر، وروت عائشة، وابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما =
-[162]- = دل على أن قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)} المراد به جبريل عليه الصلاة والسلام في صورته التي خُلِق عليها". الأسماء والصفات للبيهقي (357).
قال الحافظ ابن كثير: "وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: "نورٌ أنَّى أراه"، وفي رواية: "رأيت نورًا"، وقوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)} إنما هو جبريل - عليه السلام - كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا". تفسير ابن كثير (3/ 5).
والرواية التي ذكرها عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في صحيح مسلم هي في كتاب الإيمان -باب معنى قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)} (1/ 158 ح 283) أنه قال في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)} قال: رأى جبريل عليه السلام.
وقد مرَّت قريبًا الروايات عن ابن مسعود، وعائشة رضي الله عنهما (ح: 470 - 478) وتخريجها من الصحيحين.
وحيث تقرَّر أن لفظ شريك في ذلك منكر كما سبق في ح (412)، فالصواب أن الذي دنا فتدلى هو جبريل - عليه السلام - دنا من النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى كان قاب قوسين منه أو أدنى، والله أعلم.
قال الحافظ ابن كثير: "وقوله تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} كقوله: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)} [طه: 23] أى الدالة على قدرتنا وعظمتنا. وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع؛ لأنه قال: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)}. ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك، ولقال ذلك للناس". تفسير ابن كثير (4/ 270).
وانظر أيضًا: الأسماء والصفات للبيهقي (355 - 359)، مختصر العلو للذهبي للشيخ الألباني (ص: 117)، رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، للدكتور أحمد الحمد (ص: 148 - 152).

الصفحة 159