كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 2)
بَابُ (¬1) الدَّلِيْلِ علَى أن الشفاعَةَ لِمَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا الله وَكانَ في قَلْبِهِ شيءٌ مِنَ الخَيْرِ، وأنهُ لا تُحرِقُ النُّارُ صورَهُمْ وَأن الشفاعَةَ لا تَنفع مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا الله ولمْ (¬2) يَكُنْ في قَلْبِهِ مِنَ الخيْرِ شيء (¬3)
¬_________
(¬1) في (ط) و (ك): "بيان" بدل "باب".
(¬2) في (م): "ولمن".
(¬3) هذه الجملة الأخيرة تصدق على المنافقين الذين يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام، وهم المنافقون نفاقًا اعتقاديًّا.
518 - حَدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، وأبو أُمية، والصاغاني قالوا: حدثنا جَعفر بن عَوْنٍ، أخبرنا هشامُ بن سَعد، عن زيد بن أسلَمَ، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا خَلص المؤمنون مِن النارِ وأمنوا، فوَالذي نفسي بيدهِ ما أَحَدٌ نَاشَدَ (¬1) مُناشَدَةً -في الحق يُريد (¬2) مُضِيًّا له- من المؤمنين في إخوانِهم إذا رأوهم قَد خَلَصُوا مِن النَّار يقولون: أَيْ ربنا إخواننا، إخواننا (¬3) كانوا يُصَلُّون معنا وَيَصُومون معنا (¬4) ويَحُجُّون مَعَنا وَيُجاهدون
-[242]- مَعَنا، قد أَخَذَتْهُمْ النَّارُ.
فيقول: اذهَبُوا فَمَن عَرَفتم صورتَهُ فأخرِجُوه، وَتُحرَّمُ صُورُهم (¬5) على النار فَيَجدون الرجلَ قد أخذَتْهُ النارُ إلى قدميه، وإلى أنصافِ ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حَقوِهِ (¬6)، فيُخرِجون مِنها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: اذهَبُوا فمَن وجدتم في قلبِهِ مثقالَ قيراط مِن خيرٍ (¬7) فأَخرِجوه، فيُخْرِجون مِنها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون فيقول: اذهَبُوا فمَن وجدتم فيه -أو قال: في قلبِهِ- نصف قيراط خيرٍ -أو قال: مثقال نصف قيراط خير- فأخرِجوه، فيُخرِجون مِنها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون فلا يزال يقول ذلك لهم حتى يقول: اذهَبُوا فأخرِجوا مَن وجدتم في قلبه (¬8) ذرَّةً مِن خير فأَخرِجوه.
فكانَ أبو سعيد إذا حدث إذا الحديث يقول: إن لم تُصَدِّقوا فاقرؤوا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ
-[243]- أَجْرًا عَظِيمًا (40)} (¬9).
فيقولونَ: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فيقول: قد شَفَعَت الملائكة، وشَفَعَ (¬10) الأنبياء وشَفَعَ المؤمنونَ فهل بَقِيَ إلا أرحم الراحمين؟
قال: فيأخُذ قَبْضَةً مِن النَّار فيُخْرِجُ قَومًا قد عادُوا حُمَمَةً (¬11) لم يعملوا له عملَ خيرٍ قط، فيُطْرَحُونَ في نهرٍ من أفوارِ (¬12) الجنَّةِ يقال (¬13) له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُونَ فيه -وَالذي نفسي بيدِهِ- كما تَنْبُتُ الحبَّة في حَمِيلِ السَّيْل ألم تروْنَها (¬14) وَمَا يَليْها من الظِّل
-[244]- أُصَيْفِرَ وما يليها من الشَّمس أُخَيْضِرَ".
قُلنا: يا رسولَ الله كأنك كُنتَ في الماشيةِ (¬15).
فينبتُون (¬16) كذلك فيخرجُون منهُ مثل اللؤلؤ فتُجْعَل في أعْنَاقِهم الخَوَاتيم، ثمَّ يُرْسَلُونَ في الجنَّةِ يقولون: هؤلاء الجَهَنَّمِيُّونَ، هؤلاء الذين أخرجَهم الله مِن النَّار بغيرِ عَمَلٍ عمِلوه ولا خيرٍ قَدَّمُوه، يَقول الله تبارك وَتعالى (¬17) لهم: خُذوا فلكم ما أَخَذْتُم، فيأخذون حتى ينتهوا، ثمَّ يقُولُونَ: رَبَّنا أعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحدًا مِن العَالمينَ، فيقول الله تبارك وتعالى (¬18): فإني أَعْطَيتُكم أفضَلَ مما أَخَذْتُم، فيقولون: ربنا وَما أفضل (¬19) مما أخذنا؟ فيقول: رِضْوَاني، فلا أَسْخَطُ عليكم أبدًا" (¬20).
¬_________
(¬1) في (م): "ناشده"، وفي (ك): "بأشد" ولعله الصواب، وفي صحيح مسلم: "ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله ... ".
(¬2) كذا في الأصل و (م) و (ك)، وعليها في الأصل ضبة، وفي (ط): "بربِّه" ولعله سبق قلم.
(¬3) كلمة "إخواننا" الثانية عليها في الأصل ضبة، وفي (ط) و (ك) وردت مرة واحدة فقط.
(¬4) قوله: "ويصومون معنا" سقط من (ط).
(¬5) في (ط) و (ك): "صورتهم".
(¬6) في (ط) و (ك): "حقويه"، والحقو: معقد الإزار من الخَصْر، وقد يسمى الإزار حقوًا للمجاورة.
انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (1/ 46)، النهاية لابن الأثير (1/ 417).
(¬7) المراد بالخير هنا: الإيمان بخصوصه بدليل ما ورد في الرواية الآتية برقم (523)، ولكون الإيمان محله القلب.
(¬8) في (ط) و (ك) في هذا الموضع زيادة: "مثقال".
(¬9) سورة النساء- الآية (40).
(¬10) في (ط) و (ك): "وشفعت".
(¬11) واحدة الحُمَم وهو الفَحم، والمراد أنهم قد اسودُّوا من الاحتراق في النار حتى صاروا مثل الفحم في سواده، والله أعلم.
انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (1/ 194)، النهاية لابن الأثير (1/ 444).
(¬12) كذا في الأصل -وعليها ضبة- و (م)، وفي (ك) صورتها: "أنوار" وتحتمل أن تكون كما في الأصل، وكانت في (ط): "أنهار" فضُرب عليها وأصلحت في الهامش كما يظهر، والهامش غير واضح، وفي صحيح مسلم: "أفواه".
قال النووي: "جمع فُوَّهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة، وهو جمع سمع من العرب على غير قياس، وأفواه الأزقة والأنهار: أوائلها".
انظر: شرح مسلم للنووي (3/ 32).
(¬13) في (م): "ويقال".
(¬14) في (ط) و (ك): "تروها".
(¬15) وفي رواية آتية (ح 527): "كأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان بالبادية"، وأطلقت الماشية على البادية لكونها أكثر ما توجد فيها، والماشية هي: المال من الإبل والغنم وكذلك البقر.
انظر: المصباح المنير للفيومي (ص: 574).
(¬16) في (ط) و (ك): "قال: فينبتون".
(¬17) عبارة الثناء ليست في (ط) و (ك).
(¬18) عبارة الثناء ليست في (ط) و (ك).
(¬19) هذه الكلمة تصحفت في (م) إلى: "ولما فضل".
(¬20) تقدم بعض هذا الحديث بهذا الإسناد برقم (498) فانظر هناك الكلام على إسناده وبعض غريبه وتخريجه هناك.