كتاب تفسير العثيمين: المائدة (اسم الجزء: 2)

شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه" (¬١) فاختارت مفارقته، فحزن مغيث عليها وجعل يبكي وراءها في أسواق المدينة، يريد أن ترجع إليه، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة وبغض بريرة لمغيث! "، ما جوابنا نحن؟ بلى: نعجب؛ لأن الغالب أن القلوب إذا تآلفت فهي تتآلف من الجانبين، "فقال النبي-صلي الله عليه وسلم-: "لو راجعته"، قالت: "يا رسول الله تأمرني"، ولم تقل إن كان أمرًا على سبيل الوجوب، "قال: إنما أنا شافع" قالت: "لا حاجة لي فيه" (¬٢)، هكذا، فصرح النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن الأمر ليس للوجوب بل للمشورة، ولما قال: "إن الله فرض عليكم الحج فحجوا"، قال الأقرع بن حابس: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال: "لا" (¬٣).
فالحاصل: أن نقول: الأصل في الأمر الوجوب وأن تفعل ما أمرت، ولا تسأل وتتردد؛ لأن المسألة خطيرة إذا ترددت، قال الله عزّ وجل: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)} [الأنعام: ١١٠]، أعاذنا الله من ذلك، وقال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} [ق: ٥] بعدها {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} [ق: ٥]، متقلب غير مستقر؛ لأنهم كذبوا
---------------
(¬١) هذا اللفظ لأحمد (٦/ ١٨٠) (٢٥٥٠٧) عن عائشة.
(¬٢) رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي-صلي الله عليه وسلم- على زوج بريرة، حديث رقم (٤٩٧٩) عن ابن عباس.
(¬٣) رواه مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم (١٣٣٧) عن أَبي هريرة، والتصريح باسم الأقرع عند النسائي (٢٦٢٠)، وأحمد (١/ ٢٥٥) (٢٣٠٤) عن ابن عباس.

الصفحة 360