كتاب تفسير العثيمين: المائدة (اسم الجزء: 2)

فإن قال قائل: إن الله قال: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)} [ق: ١٨]، والمراد المَلَك، والإشكال أن الله جلَّ وعلا أضاف الرقابة إليه في سورة المائدة، وفي سورة "ق" أضافها إلى الملكين، فكيف نجمع بين الآيتين؟
الجواب: أن الله رقيب عليهم بملائكته، أي: أن رقابة الملكين بأمر الله عزّ وجل، فيكون هو الرقيب كما قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)} [القيامة: ١٨] ومن المعلوم أن الذي يقرأ على الرسول جبريل عليه السلام، فأضاف قراءة الرسول إليه لأنه بأمره، وأيضًا قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: ١٦]، فإن كثيرًا من العلماء يقول في قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} أي: بملائكتنا، {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: ١٧] وليس المراد قرب نفسه تبارك وتعالى، بخلاف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم" (¬١) وفَرَّق بين المعنيين بأن قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} يعني إلى الإنسان عامة، ومعلوم أن قرب الله تعالى إلى العبد خاص بعابده أو داعيه، أي: بمن يعبده أو يدعوه، فالقرب ليس كالمعية ينقسم إلى قسمين بل القرب خاص بمن يعبده أو يدعوه، أما من يعبده فكقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أقرب مما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (¬٢)، وأما داعيه فهو كقول الرسول عليه الصلاة
---------------
(¬١) هذا اللفظ لمسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث رقم (٢٧٠٤) عن أبي موسى.
(¬٢) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، حديث رقم (٤٨٢) عن أبي هريرة.

الصفحة 553