كتاب الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي (اسم الجزء: 2)
وَمِائَةٌ لَيْسَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ اتِّحَادِهِ دَالًّا عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، وَهِيَ الْآحَادُ الدَّاخِلَةُ فِيهَا، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ فَصَاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا.
فَقَوْلُنَا: (اللَّفْظُ) وَإِنْ كَانَ كَالْجِنْسِ لِلْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَفِيهِ فَائِدَةُ تَقْيِيدِ الْعُمُومِ بِالْأَلْفَاظِ، لِكَوْنِهِ مِنَ الْعَوَارِضِ الْحَقِيقِيَّةِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ كَمَا يَأْتِي تَعْرِيفُهُ (١) .
وَقَوْلُنَا: (الْوَاحِدُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِنَا: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وَقَوْلُنَا: (الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ) لِيَنْدَرِجَ فِيهِ الْمَوْجُودُ وَالْمَعْدُومُ، وَفِيهِ أَيْضًا احْتِرَازٌ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ كَقَوْلِنَا: رَجُلٌ وَدِرْهَمٌ وَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الرِّجَالِ وَآحَادِ الدَّرَاهِمِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا مَعًا، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ.
وَقَوْلُنَا: (فَصَاعِدًا) احْتِرَازٌ عَنْ لَفْظِ اثْنَيْنِ، وَقَوْلُنَا: (مُطْلَقًا) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِنَا: عَشَرَةٌ وَمِائَةٌ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَعْدَادِ الْمُقَيَّدَةِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى قَوْلِنَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ احْتِرَازًا عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَجَازِيَّةِ.
أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُ كَوْنَهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ (٢) فَالْحَدُّ لَا يَكُونُ مَعَ أَخْذِ هَذَا الْقَيْدِ جَامِعًا.
وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالتَّعْمِيمِ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى هَذَا الْقَيْدِ أَيْضًا، إِذِ اللَّفْظُ دَالٌّ عَلَى مُسَمَّيَاتِهِ مَعًا، بَلْ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَفِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ مَا يَدْرَأُ النَّقْصَ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُنَا: (الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ مَعًا) .
وَأَمَّا الْخَاصُّ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: هُوَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِعَامٍّ، وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِ، فَإِنَّهَا لِعَدَمِ دَلَالَتِهَا لَا تُوصَفُ بِعُمُومٍ وَلَا بِخُصُوصِ.
ثُمَّ فِيهِ تَعْرِيفُ الْخَاصِّ بِسَلْبِ الْعَامِّ عَنْهُ، وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَلْبِ الْعَامِّ تَعَيُّنُ الْخَاصِّ.
---------------
(١) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ مَسَائِلِ الْعُمُومِ
(٢) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْعُمُومِ، وَسَبَقَ بَعْضُ الْبَحْثِ فِيهِ بِالْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ
الصفحة 196