كتاب سبل السلام - البابي الحلبي (اسم الجزء: 2)

بعد الموت العقر عند القبر لورود النهي عنه، فإنه أخرج أحمد وأبو داود من حديث أنس: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "لا عقر في الإسلام" . قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة، قال الخطابي: كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد يقولون نجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف ونحن نعقرها عند قبره حتى تأكلها السباع والطير فيكون مطعماً بعد وفاته كما كان يطعم في حياته. ومنهم من كان يذهب إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكباً ومن لم يعقر عنده حشر راجلاً وكان هذا على مذهب من يقول منهم بالبعث فهذا فعل جاهلي محرم.
59-) وعن سليمان بن بريدة) هو الأسلمي روى عن أبيه وعمران بن حصين وجماعة مات سنة خمس عشرة ومائة (عن أبيه) أي بريدة (قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يعلمهم ) أي الصحابة ( إذا خرجوا إلى المقابر ) أي أن يقولوا: " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية" . رواه مسلم) وأخرجه أيضاً من حديث عائشة وفيه زيادة "ويرحم الله المتقدمين منا والمتأخرين". والحديث دليل على شرعية زيارة القبور والسلام على من فيها من الأموات وأنه بلفظ السلام على الأحياء. قال الخطابي: فيه أن اسم الدار يقع على المقابر وهو صحيح فإن الدار في اللغة تقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول. والتقييد بالمشيئة للتبرك وامتثالاً لقوله تعالى: -ولا تقولن لشيء إني فاعلٌ ذلك غداً إلا أن يشاء الله- وقيل المشيئة عائدة إلى تلك التربة بعينها. وسؤاله العافية دليل على أنها من أهم ما يطلب وأشرف ما يسئل، والعافية للميت بسلامته من العذاب ومناقشة الحساب. ومقصود زيارة القبور: الدعاء لهم والإحسان إليهم وتذكر الآخرة والزهد في الدنيا، وأما ما أحدثه العامة من خلاف، كدعائهم الميت والاستصراخ به والاستغاثة به وسؤال الله بحقه وطلب الحاجات إليه تعالى به فهذا من البدع والجهالات وتقدم شيء من هذا.
60- وعن ابن عَبّاسٍ رضي الله عَنْهُ قالَ: مرَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بقبُور المدينة فأَقْبلَ عليهمْ بوجْهِهِ فقال: "السّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ الْقُبور، يَغْفِرُ اللَّهُ لنا ولكم، أَنْتُم سَلَفُنا ونْحنُ بالأثَر" رواهُ التِّرمذيُّ وقالَ حسنٌ.فيه أنه يسلم عليهم إذا مرّ بالمقبرة وإن لم يقصد الزيارة لهم. وفيه أنهم يعلمون بالمارّ بهم وسلامه عليهم وإلا كان إضاعة. وظاهره في جمعة وغيرها وفي الحديثين الأول وهذا دليل أن الإنسان إذا دعا لأحد أو استغفر له يبدأ بالدعاء لنفسه والاستغفار لها، وعليه وردت الأدعية القرآنية -ربنا اغفر لنا ولإخواننا- -واستغفر لذنبك وللمؤمنين- وغير ذلك. وفيه أن هذه الأدعية ونحوها نافعة للميت بلا خلاف وأما غيرها من قراءة القرآن له فالشافعي يقول: لا يصل ذلك إليه. وذهب أحمد وجماعة من العلماء إلى وصول ذلك إليه. وذهب جماعة من أهل السنة والحنفية الى أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صوماً أو حجاً أو صدقة أو قراءة قرآن

الصفحة 118