كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 2)

دَنَوْتُ مِنْهُ فَحَرَّكْتُهُ فَقُلْتُ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا. قَالَ: لَا إِلَّا تَوْهِينًا فِي جَسَدِي- وَقَدْ كنت ارتعبت مما رأيت- فقال ما لي أَرَاكِ مُرْتَاعَةً. قَالَتْ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ خَيْرٌ أُرِيدَ بِي ثُمَّ صُرِفَ عَنِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
بَاتَتْ هُمُومِيَ تَسْرِي طَوَارِقُهَا ... أَكُفُّ عَيْنِي وَالدَّمْعُ سَابِقُهَا
مِمَّا أَتَانِي مِنَ الْيَقِينِ وَلَمْ ... أُوتَ بِرَاةً يَقُصُّ نَاطِقُهَا
[1]
أَمْ مَنْ تَلَظَّى عَلَيْهِ وَاقِدَةُ النَّارِ ... مُحِيطٌ بِهِمْ سُرَادِقُهَا
أَمْ أَسْكُنُ الْجَنَّةَ الَّتِي وُعِدَ ... الْأَبْرَارُ مَصْفُوفَةٌ نَمَارِقُهَا
لَا يَسْتَوِي الْمَنْزِلَانِ ثَمَّ وَلَا ... الْأَعْمَالُ لَا تَسْتَوِي طَرَائِقُهَا
هُمَا فَرِيقَانِ فِرْقَةٌ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ ... حَفَّتْ بِهِمْ حَدَائِقُهَا
وَفِرْقَةٌ مِنْهُمُ قَدْ أُدْخِلَتِ النَّارَ ... فَسَاءَتْهُمْ مَرَافِقُهَا
تَعَاهَدَتْ هَذِهِ الْقُلُوبُ إِذَا ... هَمَّتْ بِخَيْرٍ عَاقَتْ عَوَائِقُهَا
وَصَدَّهَا لِلشَّقَاءِ عَنْ طَلَبِ ... الْجَنَّةِ دُنْيَا اللَّهُ مَاحِقُهَا
عَبْدٌ دَعَا نَفْسَهُ فَعَاتَبَهَا ... يَعْلَمُ أَنَّ الْبَصِيرَ رَامِقُهَا
مَا رغّب النَّفْسِ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ ... تَحْيَا قَلِيلًا فَالْمَوْتُ لَاحِقُهَا
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... يَوْمًا على غرة يوافقها
ان لم تمت غبطة تمت هرما ... للموت كأس والمرء ذائقها
قال ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَحْلِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يسيرا حتى طعن في حيارته [1] فَأَتَانِي الْخَبَرُ فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ مَنْعُوشًا قَدْ سُجِيَ عَلَيْهِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَشَهِقَ شَهْقَةً وَشَقَّ بَصَرُهُ وَنَظَرَ نَحْوَ السَّقْفِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ. وَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا، لَا ذُو مَالٍ فَيَفْدِينِي وَلَا ذُو أَهْلٍ فَتَحْمِينِي. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً فَقُلْتُ قَدْ هَلَكَ الرَّجُلُ. فَشَقَّ بَصَرُهُ نَحْوَ السَّقْفِ فَرَفَعَ صَوْتَهُ. فَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا، لَا ذُو بَرَاءَةٍ فَأَعْتَذِرُ، وَلَا ذُو عَشِيرَةٍ فَأَنْتَصِرُ. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً وَشَقَّ بَصَرُهُ وَنَظَرَ نَحْوَ السَّقْفِ. فَقَالَ:
لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا، بِالنِّعَمِ مَحْفُودٌ وَبِالذَّنْبِ مَحْصُودٌ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً. فَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا
إِنَّ تَغْفِرِ اللَّهمّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً فَقَالَ:
كُلُّ عَيْشٍ وَإِنْ تَطَاوَلَ دَهْرًا ... صَائِرٌ مَرَّةً [2] إِلَى أَنْ يَزُولَا
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا قَدْ بَدَا لِي ... فِي قِلَالِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوُعُولَا
__________
[1] كذا في النسختين ولم يظهر لنا المعنى
[2] في شعراء النصرانية: منتهى امره الى ان يزولا

الصفحة 225

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text