كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (اسم الجزء: 2)
آدم ونوح عليهما السلام. فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى بن محمد بن قيس: "ويعوق ونسرا" قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم (¬1) . قال قتادة وغيره: "كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك" (¬2) .
وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي (¬3) أوقعت كثيرا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب (¬4) ونحو ذلك.
فإن (¬5) يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. ولهذا نجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها، ويخشعون (¬6) ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها (¬7) في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال.
فهذه المفسدة -التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره- هي التي حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد
¬_________
(¬1) تفسير ابن جرير (29 / 62) .
(¬2) تفسير ابن جرير (29 / 62) .
(¬3) في المطبوعة: هي التي.
(¬4) في (ط) : الكواكب.
(¬5) في المطبوعة: فلأن.
(¬6) في المطبوعة: ويتخشعون.
(¬7) في المطبوعة: لا يعبدونها.