كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (اسم الجزء: 2)

أبي (¬1) عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه (¬2) . وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف، لكن الحديث المتقدم عن نافع - الصحيح (¬3) - يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائمًا ولا غالبًا.
وما أحسن ما قال مالك: " لن يصلح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها " (¬4) ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره. ولهذا كرهت الأئمة (¬5) استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه. فكانت حجرة عائشة التي دفنوه فيها منفصلة عن مسجده (¬6) وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد زيادات وغُيِّرَ، والحجرة على حالها (¬7) هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك (¬8) وكان عمر بن عبد العزيز عامله على
¬_________
(¬1) هو: زيد بن أسلم. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(¬2) انظر: كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 85) ؛ و (الاستذكار) لابن عبد البر (1 / 233) .
(¬3) انظر: (ص 180) من هذا الجزء.
(¬4) كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 88) .
(¬5) في (أب ط) : الأمة.
(¬6) كذا جاء في (أط) . وفي (ب ج د) وفي المطبوعة: ملاصقة لمسجده. وفي الهامش في (ب ج د) : وضع رمز (خ) وقال: منفصلة عن مسجده. فلعله استدراك. فالذي يظهر لي أن عبارة (منفصلة عن مسجده) أصح؛ لأن هذا الوصف هو الذي يمنع الناس من الوصول إلى القبر من المسجد.
(¬7) في (ج د) وفي المطبوعة: وغيروا الحجرة عن حالها. وما أثبته من (أب ط) أصح؛ لأنه يدل عليه السياق بعده.
(¬8) هو: الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي، أحد خلفاء بني أمية، ولد سنة (50 هـ) ، وتولى الخلافة بعد أبيه سنة (86 هـ) ، كثرت في عهده الفتوحات، وكان يكرم طلاب العلم ويعطي العاجزين والمقعدين ونحوهم. واشتهر باللحن، وتوفي سنة (96هـ) . انظر: البداية والنهاية لابن كثير (9 / 161 - 166) .

الصفحة 243