كتاب شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (اسم الجزء: 2)

والمقصود: أن وجود القرآن في المصحف ليس كوجود الأعيان المشاهدة، وإن كان له وجود حقيقي، فقد اتفق المسلمون على أن القرآن في المصحف قال ابن القيم: ((من المعلوم بالفطرة المستقرة عند العقلاء قاطبة أن الكلام يكتب في المحالِّ من الرق والخشب وغيرهما، ويسمى محله كتاباً، ويسمى نفس المكتوب كتاباً.
فمن الأول: قوله تعالى: {إنَّهُ لَقُرآنٌ كَريمٌ {77} فيِ كِتَابِ مَكنُونِ} . ومن الثاني: قوله تعالى: {وَلَو نَزَّلنَا عَلَيكَ كِتاباً فيِ قرِطَاسٍ} . وقوله تعالى: {يَتلُواْ صُحُفَاً مُطَهَّرةً {2} فِيهَا كُتُبٌ قَيِمَةٌ} .
والقول بأن الكلام في الصحيفة من العلم العام الذي لم ينازع فيه أحد من العقلاء إذا سلمت الفطرة من الانحراف، وقد قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ {21} فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} (¬1) وفي حديث ابن عمر: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (¬2) ، ومعلوم بالضرورة أنه لا محذور في السفر إلى أرض العدو بالمداد والورق، وإنما المحذور أن يسافر بالكلام الذي تضمنه الورق)) (¬3) . وسيأتي مزيد لهذا في موضعه.
وقد أطلت النقل عن البخاري - رحمه الله -؛ لأن ذلك مراد فيما ترجم به، فهو كالشرح له، وبذلك وضح مقصده وضوحاً جلياً.
فقوله: ((ذكر الله بالأمر)) أي: أمره الذي يأمر به عباده، وهو صفته، فإذا أمرهم فقد ذكرهم، وكذلك إذا رحمهم وأنعم عليهم، فقد ذكرهم.
((وذكر العباد بالدعاء والتضرع، والرسالة والبلاغ)) أي: ذكرهم الله بأن
¬_________
(¬1) الآيتان 21، 22 من سورة البروج.
(¬2) رواه مسلم رقم (1869) (3/1490-1491) ، والإمام أحمد في ((المسند)) (2/7، 63، 128) وغيرهما، ورواه البخاري (4/45) باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو.
(¬3) ((مختصر الصواعق)) (443/444) ملخصاً.

الصفحة 480