وحدثني الرياشي قال: دخل أبو الأسود الدؤلي علي عبيد الله بن زياد وقد أسن، فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسودِ؛ إنك لجميل، فلو تعلقت تميمة ترد عنك العيون، فقال أبو الأسود:
أفنى الشباب الذي أفنيت جدتهُ ... كر الجديدين من آتٍ ومنطلقِ
لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئاً أخافُ عليه لذعة الحدقِ
قوله: "فلو تعلقت تميمةً" هي: المعاذة يعلقها الرجلُ.
قال ابن قيس الرقيات:
صدروا ليلة انقضى الحج فيهم ... طفلة زانها أغر وسيم
يتقي أهلها العيون عليها ... فعلى جيدها الرقى والتميمُ
وقال أبو ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفعُ
وقوله: "لذعة الحدق" فهو من قولك: لذعته النار، إذا لفحته، ويقال: لذع فلانُ فلاناً بأدبٍ، إذا أدبه أدباً يسيراً، كأنه كالمقدار الذي وصفناه من النار.
وقول ابن قيس الرقيات: "زانها أغر وسيم"، فالأغر: الأبيض- يعني الوجه، والوسيم: الجميل، والمصدر الوسامةُ والوسامُ.
لبعض المحدثين في الخضاب
وقال بعض المحدثين: ذكرناه بقول أبي الأسود:
قد كنت أرتاع للبيضاء في حلكٍ ... فصرت أرتاعُ للسوداء في يققٍ1
من لم يشب ليس مملاقاً حليلتهُ ... وصاحب الشيب للنسوان ذو ملقِ
قد كن يفرقن منه في شبيبته ... فصار يفرق ممن كان ذا فرقِ
إن الخضاب لتدليس يغش به ... كالثوب في السوق مطوياً على حرقِ
ويروى: "يطوى لتدليس على حرقِ".
وشبيهُ بهذا المعنى قول أبي تمام:
طال إنكاري البياض وإن عمر ... تُ شيئاً انكرتُ لونَ السوادِ
وحدثني الزيادي قال: قيل لأعرابي: ألا تخضب بالوسمة، فقال: لِمَ ذاك? فقال: لتصبو ليك النساء، فقال: أما نساؤنا فما يردن بنا بديلاً، وأما غيرهن فما نلتمس صبوتهن.
__________
1 اليقق: البياض.