كتاب التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة ت الفريح (اسم الجزء: 2)
"إذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا" (¬1)، والتشهدُ لا يسمَّى صلاة، ألا ترى أنه لا يقال: صلى التشهد؟
فإن قيل: هذه الأخبار منسوخة بما تقدم (¬2) من حديث أبي بكر - رضي الله عنه -، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلفه في مرض موته، فلما خرج، صلى جالسًا، وأبو بكر والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا قيامًا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام، وهذا في آخر الأمر منه.
وبما تقدم (¬3) من حديث الشعبي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعدًا"، ومعناه: بقعود.
قيل: لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان التأويل والاستعمال، أما حديث الشعبي، فهو محمول على نهي إمامة القاعد في الجملة، لكن لغير إمام الحي، وأما قصة أبي بكر - رضي الله عنه -، فلا تنسخ ما تقدم من الأخبار؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - افتتح بهم الصلاة وهو قائم، ثم طَرَتْ إمامةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في أثناء الصلاة، وعندنا: إذا صلى بهم قائمًا، ثم اعتلَّ في أثناء الصلاة، وجلس، أتموا خلفه قيامًا، ولم يجز لهم الجلوس، فأحمد - رحمه الله - جمعَ بين الأخبار، واستعمل حديث جابر، وعائشة، وأنس - رضي الله عنهم - على ظاهره، في أنهم يصلون جلوسًا إذا صلى جالسًا من أول الصلاة، وحديث أبي بكر - رضي الله عنه - على ظاهره إذا صلى بهم قائمًا، ثم اعتل
¬__________
(¬1) مضى تخريجه (1/ 107) و (2/ 274).
(¬2) في (2/ 276).
(¬3) في (2/ 267).