كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي (اسم الجزء: 2)

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ " قالوا: يا نبي اللَّه لا تلمه فإنه غيور، واللَّه ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: واللَّه يا رسول اللَّه إني لأعلم أنها من اللَّه، وأنها حق، ولكني عجبت.
فإن نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لَكذلك، إذ جاءه هلال بن أمية فقال: يا رسول اللَّه إني جئت البارحة عشيًّا من حائط لي كنت فيه، فرأيت مع أهلي رجلًا فرأيته بعيني وسمعته بأذني، قال: فكره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما جاء به، فقيل: يُجلد هلال، وتبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: يا رسول اللَّه إني لأرى في وجهك أنك تكره ما جئتك به، وإني لأرجو أن يجعل اللَّه لي فرجًا.
فإن نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لَكذلك، إذ نزل عليه الوحي وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه إذا نزل عليه الوحي، تَرَبَّد لذلك وجهه (¬١) وجسده، فأمسك عنه أصحابه فلم يكلمه أحد منهم، فلما رُفع الوحي قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أبشر يا هلال، فقد جعل اللَّه لك فرجًا"، ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ادعوها"، فدُعيت، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه تبارك وتعالى لَيعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا هلال"، فقال هلال: واللَّه ما قلت إلا حقًّا ولقد صدقتُ، فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: أشهد، فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: اتق اللَّه يا هلال، فإن عذاب اللَّه أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب، فقال: واللَّه لا يعذبني اللَّه عليها أبدًا كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: يا هذه، اتق اللَّه فإن عذاب اللَّه أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك
---------------
(¬١) تَرَبَّد وجهُه: تغير إلى الغبرة، النهاية (٢/ ١٧٣).

الصفحة 197