كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي (اسم الجزء: 2)
وقد كان هذا الفعل في الإماء في الجاهلية فكان مقرونًا بكفرهم، فلما جاء الإِسلام نسخ ذلك كلَّه، وقيل: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٣]، فكل من دخل في الإيمان من حُر وعبد فقد حرَّم اللَّه عليه الزنا.
[خطاب الكفار بفروع الشريعة]
وقوله عز وجل: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، دليل على أنه لا تحريم على الكافرين، وأنه لا اعتراض لنا في زناهم (¬١) وفسوقهم وخمورهم إذا أقررناهم على أنهم لا {يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ}، وإذا لم يحرم اللَّه عليهم الزنا لتضاف أعمالهم إلى كفرهم، فيكمل عذاب اللَّه عليهم، فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإِسلام، وإلى هذا دعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنفذ رسله إلى الأمصار من معاذ وغيرِه، قال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن قبلوا ذلك منك فأعلمهم بأن عليهم صلاة وزكاة" (¬٢)، فلا شريعة ولا أمر ولا نهي إلا بعد الإيمان.
وإن احتج محتج بقول اللَّه عز وجل: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: ٥].
قيل له: معنى حل لهم إنما هو حل لكم أن تُطعموهم، فأما أن يظن ظان أن قولنا لهم: إنه حل لكم، وهم يدفعون الكتاب الذي فيه هذه الآية، كيف يكون منهم القبول، هذا ما لا يظنه ذو فهم ومعرفة.
* * *
---------------
(¬١) في الأصل: زنايهم.
(¬٢) تقدم تخريجه.