كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي (اسم الجزء: 2)
٥٥ - قال اللَّه عز وعلا: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ}
قال مجاهد: كان ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم ويقولون: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (¬١).
وكان سيبويه يقول: إن هذه للمُتاركة (¬٢)، يقول الرجل للرجل: اذهب سلامًا سلام، أي: تاركني (¬٣) وأُتاركك. فوضع هذا الكلام -واللَّه أعلم- للمتاركة، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك لأبيه حين قال: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: ٤٦ - ٤٧]، فقد قلنا في ذلك ما فيه كفاية.
قال ابن عباس: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: ١١٤] قال: موته بيَّن له أنه عدو للَّه، حين مات على كفره (¬٤).
وقال عطاء: ليس لأحد من المسلمين أسوة في قول إبراهيم: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: ٤].
قال اللَّه تبارك وتعالى في قصة موسى عليه السلام، ومخاطبته لفرعون: {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: ٤٧]، وكتب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثل ذلك إلى قيصر وغيره من الكفار (¬٥).
---------------
(¬١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٨٧).
(¬٢) انظر الكتاب (١/ ٣٢٦).
(¬٣) في الأصل: تاركي.
(¬٤) رواه ابن جزير في تفسير (٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
(¬٥) ورد في رسالة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هرقل في الصحيح: "عن محمد عبد اللَّه ورسوله إلى =