كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي (اسم الجزء: 2)
قال علي بن المديني: لا يُنكَر مثلُ هذا على الزهري، لسعة علمه وحديثه، أن يحدث مرة عن هذا، ومرة عن هذا، وقد سمع ذلك من جماعة.
[هل يُعَدّ التخيير طلاقًا؟ ]
وقال مسروق بن الأجدع: ما أبالي إذا خَيَّرْتُ امرأتي واحدةً أو مائةً أو ألفًا بعد أن تختارني، فلقد أتيت عائشة فسألتها عن ذلك فقالت: قد خيَّرَنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاخترناه، أفكان ذلك طلاقًا (¬١)؟
والآية تدل على أنه عليه السلام خيَّرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الدنيا طَلّقهن، وإن اخترن الآخرة كُنّ على ما كن عليه ولم يلزمه مفارقتهن، ألا تراه سبحانه قال: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية، فلما اخترنه لم يَلزمه عليه السلام التسريحُ الذي أوجبه على نفسه.
وقد يجوز أن يقول قائل: إنهن لو اخترن الدنيا أن يقع الطلاق باختيارهن.
وهذا يحتاج إلى حجة من كتاب اللَّه عز وجل أو سُنَّة، إذ الآية لا توجب وقوع الطلاق، وما روي عن عائشة: "اخترناه فهل كان ذلك طلاقًا؟ " إنما ذُكر ليُدفع به شيء ضعيف رُوي من طريق ضعيفة عن علي، وعليٌّ رحمه اللَّه يرتفع عن قوله: زعموا أن الرجل إذا خيَّر امرأتَه فاختارته كانت طلقة، وإذا اختارت نفسها كانت ثلاثًا، وهذا ما لا يجوز في عقل، واللَّه أعلم.
* * *
---------------
(¬١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٥٢٦٢، كتاب: الطلاق، باب من خير نساءه، ومسلم في الموضع السابق.