كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي (اسم الجزء: 2)

فأتاني الأنصاري يومًا فضرب علي الباب وقال: قد حدث أمر، قلت: أجاء الغساني؟ قال: لا، ولكن أعظم من ذلك، طلق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نساءه، قال: فخرجت وإذا البكاء في حُجَرهن كلِّها، وإذا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد صعِد مَشْرُبَته (¬١)، وعلى الباب وَصيف (¬٢)، فقلت: استأذن لي على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاستأذن لي فإذا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على حصير قد أَثّر في جنبه، وإذا تحت رأسه مِرْفَقة (¬٣) من أدم، حَشْوُها لِيفٌ، وإذا أُهُب في البيت معلقة، وقَرَظٌ (¬٤) منبوذ، فذكرت الذي قلتُ لحفصةَ وأم سلمة فضحك، فلبث بذلك تسعًا وعشرين فنزل، وأنبئت أن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: يا رسول اللَّه لو شئت أخذتَ ذات الذنب منا بذنبها، قال: "إذا أدعها كأنها شاة مَعْطاء" (¬٥).
ولهذا الحديث أسانيد، وفيه زيادات ونقصان، وفي بعضها: فقلت لحفصة: أتراجعين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب اللَّه عليها لغضب رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغررك أن كانت جارتك هي أَوْسَمُ وأحبُ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منك -يريد عائشة- (¬٦).
---------------
(¬١) المَشْرُبَة: بالضم والفتح، الغُرْفَة، النهاية (٢/ ٤٥٥).
(¬٢) الوَصيف: العَبْد، النهاية (٥/ ١٩١).
(¬٣) المِرْفَقَة: كالوسادة يُتَوَكأ عليها، النهاية (٢/ ٢٤٦).
(¬٤) القَرَظُ: ورق شجر تُدبغ به الأُهب، اللسان (٢/ ٧٤١).
(¬٥) مَعْطاء: سقط صوفها، النهاية (٤/ ٣٤٣)، والحديث كما ساقه المصنف أخرجه أبو عوانة في مستخرجه برقم ٤٥٧٦، كتاب: الحج، باب: الخبر المبين أن الرجل إذا قال لامرأته: اختاري. . . لم يكن ذلك طلاقًا.
(¬٦) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٧٩، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء (ط ع الباقي).

الصفحة 596