كتاب زاد المسير في علم التفسير (اسم الجزء: 2)

فإن قيل: لِم آثر القَدَم هاهنا على اليد، والعرب تستعمل اليد في موضع الإِحسان؟
فالجواب: أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم، لأن العادة جارية بتقدُّم الساعي على قدميه، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يُتقدَّم فيه ولا يقع فيه تأخُّر، قال ذو الرمة:
لكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّها ... مع الحَسَب العادِيّ طَمَّتْ على البحر «1»
فإن قيل: ما وجه إِضافة القدم إِلى الصدق؟
فالجواب: أن ذلك مدح للقدم، وكل شيء أضفته إِلى الصدق، فقد مدحته ومثله: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ «2» وقوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ «3» .
وفي الكلام محذوف تقديره: أن أوحينا إِلى رجل منهم، فلما أتاهم الوحي قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «لَساحر» بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «لَسحر» بغير ألف «4» . قال أبو علي: قد تقدّم قوله تعالى: أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ فمن قال: «ساحر» ، أراد الرجل، ومن قال: «سحر» أراد الذي أوحي سحر، أي: الذين تقولون أنتم فيه: إِنه وحي: سحر. قال الزجاج: لما أنذرهم بالبعث والنشور، فقالوا: هذا سحر، أخبرهم أنّ الذي خلق السماوات والأرض قادر على بعثهم بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ وقد سبق تفسيره في سورة الأعراف «5» .
قوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال مجاهد: يقضيه. وقال غيره: يأمر به ويمضيه.
قوله تعالى: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ فيه قولان:
أحدهما: لا يشفع أحد إِلا أن يأذن له، قاله ابن عباس. قال الزجاج: لم يَجْرِ للشفيع ذِكر قبل هذا، ولكنَّ الذين خوطبوا كانوا يقولون: الأصنام شفعاؤنا. والثاني: أن المعنى: لا ثانيَ معه، مأخوذ من الشَّفْع «6» ، لأنه لم يكن معه أحد، ثم خلق الأشياء. فقوله تعالى: إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أي: من بعد أمره أن يكون الخلق فكان. ذكره الماوردي.
قوله تعالى: فَاعْبُدُوهُ: قال مقاتل: وحِّدوه. وقال الزّجّاج: المعنى: فاعبدوه وحده.
وقوله تعالى: تَذَكَّرُونَ معناه: تتّعظون.

[سورة يونس (10) : آية 4]
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (4)
__________
(1) في «القاموس» طمّ الماء طمّا وطموما: غمر الإناء وملأه، والشيء كثر حتى علا وغلب.
(2) سورة الإسراء: 80.
(3) سورة القمر: 55.
(4) قال الطبري رحمه الله 6/ 529: اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به- يعنون القرآن- لسحر مبين، وقرأ مسروق وسعيد بن جبير وجماعة من قراء الكوفيين إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ.
(5) الآية: 54.
(6) في «القاموس» الشفع: خلاف الوتر، وهو الزوج، وقد شفعه كمنعه.

الصفحة 316