كتاب زاد المسير في علم التفسير (اسم الجزء: 2)

قتادة. والثالث: بنبوَّته، قاله عكرمة. والرابع: بأن محمّدا صلى الله عليه وسلم يخرج من صلبه، ذكره الماوردي.
قوله تعالى: قالُوا سَلاماً قال ابن الأنباري: انتصب بالقول، لأنه حرف مقول، والسلام الثاني مرفوع باضمار «عليكم» . وقال الفراء: فيه وجهان:
أحدهما: أنه أضمر «عليكم» كما قال الشاعر:
فَقُلْنَا السَّلاَمُ فَاتَّقَتْ مِنْ أَمِيرِهَا ... فما كان إِلاَّ ومْؤُهَا بِالْحَواجِبِ «1»
والعرب تقول: التقينا فقلنا: سلام سلام.
والثاني: أن القوم سلَّموا، فقال حين أنكرهم هو: سلام، فمن أنتم؟ لإِنكاره إِياهم. وقرأ حمزة، والكسائي: «قال سِلْم» ، وهو بمعنى: سلام، كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرم وحرام فعلى هذا، يكون معنى «سلِم» : سلام عليكم. قال أبو علي: فيكون معنى القراءتين واحداً وإِن اختلف اللفظان «2» . وقال الزجاج: من قرأ «سِلْم» فالمعنى: أمْرُنا سِلْم، أي: لا بأس علينا.
قوله تعالى: فَما لَبِثَ أي: ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ، لأنه ظنهم أضيافاً، وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوِضَاء.
وفي الحنيذ ستة أقوال «3» : أحدها: أنه النضيج، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. والثاني: أنه الذي يَقْطُر ماؤُه وَدَسمُه وقد شوي، قاله شمر بن عطية. والثالث: أنه ما حفرتَ الأرضَ ثم غممتَه، وهو من فعل أهل البادية معروف، وأصله محنوذ، فقيل: حنيذ، كما قيل: طبيخ للمطبوخ، وقتيل للمقتول. هذا قول الفراء. والرابع: أنه المشوي، قاله أبو عبيدة. والخامس: المشوي بالحجارة المحماة، قاله مقاتل وابن قتيبة. والسادس: السميط، ذكره الزجاج وقال: يقال إنه المشوي فقط، ويقال المشوي الذي يقطر، ويقال المشويّ بالحجارة.

[سورة هود (11) : آية 70]
فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70)
قوله تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ يعنى الملائكة لا تَصِلُ إِلَيْهِ يعني العجل نَكِرَهُمْ أي:
أنكرهم. قال أبو عبيدة: نَكِرهم وأنكرهم واستنكرهم، سواء، قال الأعشى:
وَأَنْكَرَتْني وَمَا كانَ الَّذي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوَادِثِ إِلاَّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا
قوله تعالى: وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي: أضمر في نفسه خوفاً. قال الفراء: وكانت سُنَّةً في زمانهم إِذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم يمسُّوه، ظنوا أنهم عدوّ أو لصوص، فهنالك أوجس في
__________
(1) ذكره ابن منظور في «اللسان» مادة «ومأ» ونسبه للقنانيّ. وعنده «فقلت» بدل «فقلنا» .
(2) كذلك قال الطبري رحمه الله 7/ 68: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، لأن «السلم» قد يكون بمعنى «السلام» ، «والسلام» بمعنى «السلم» لأن التسليم لا يكاد يكون إلا بين أهل السلم دون الأعداء.
(3) قال الطبري رحمه الله 7/ 69، بعد أن ذكر الأقوال: وهذه الأقوال التي ذكرناها عن أهل العربية وأهل التفسير متقاربات المعاني بعضها من بعض. اه.

الصفحة 385