كتاب موسوعة التفسير المأثور (اسم الجزء: 2)

هو الإسلام، والظلمة هو البلاء والفتنة، فإذا رأى المنافق من الإسلام طُمَأْنِينَةً وعافية ورَخاء وسَلْوَةً من عيش قالوا: إنّا معكم ومنكم. وإذا رأى من الإسلام شدة وبلاء تَحَقْحَقَ (¬١) عند الشدة، فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يَرْجُ عاقبتها، إنما هو صاحب دنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وهو كما نعته الله (¬٢). (١/ ١٧٤

٧٩١ - عن قتادة -من طريق معمر- قال: ثم ضرب لهم مَثَلًا آخر، فقال: {يكادُ البرقُ يخطف أبصارَهم كلما أضاء لهم مشوا فيه}، يقول: هذا المنافق إذا كَثُر ماله، وكَثُرت ماشيته، وأصابته عافية؛ قال: لم يُصِبْنِي منذُ دخلت في ديني هذا إلا خيرٌ. {وإذا أظلم عليهم قاموا} يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم، وأصابهم البلاءُ؛ قاموا مُتَحَيِّرين (¬٣). (ز)

٧٩٢ - عن عمرو بن دينار -من طريق سفيان- قال: لم أسْمَع بأحد ذهب البرقُ ببصره؛ لقول الله: {يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ} (¬٤). (ز)

٧٩٣ - قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: {يَكادُ البَرْقُ} الذي في المطر {يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ}، يعني: يذهب بأبصارهم من شِدَّة نوره. يقول سبحانه: مَثَل الإيمان إذا تَكَلَّم به المنافق مَثَلُ نور البرق الذي يكاد أن يذهب بأبصارهم، {كُلَّما أضاءَ لَهُمْ} البرق {مَشَوْا فِيهِ}، يقول: كلما تَكَلَّموا بالإيمان مَضَوْا فيه، يقول: ويضيء لهم نورًا يهتدون به، {وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ} البرق، أي: ذهب ضَوْؤُه {قامُوا} في ظُلْمَةٍ، لا يبصرون الهُدى، {ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} فلا يسمعون {وأَبْصارِهِمْ} فلا يرون أبدًا؛ عُقوبة لهم (¬٥) [٨٧]. (ز)
---------------
[٨٧] زاد ابن عطية (١/ ١٤٢) في معنى الآية قولين آخرين: الأول: «كلما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحجج، أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه، قاموا أي ثبتوا على نفاقهم»، ونسبه لابن عباس وغيره. والثاني: أن «معنى الآية: كلما خفي عليكم نفاقهم، وظهر لكم منهم الإيمان مشوا فيه، فإذا افتضحوا عندكم قاموا».
_________
(¬١) جاء في لسان العرب (حقحق): «والحَقْحقةُ شدَّة السير، حَقْحقَ القومُ إذا اشتدّوا في السير، ... قال الأَزهري: والحقحقة عند العرب أن يُسار البعيرُ ويُحمل على ما يتعبه وما لا يطيقه حتى يُبْدِعَ براكبه وقيل هو المُتعِب من السير». وعليه فمعنى قول قتادة: أن المنافق إذا رأى من الإسلام شدة وبلاء أصابه الجهد والتعب والشدة، كما يصيب البعير إذا سار مُحَمَّلًا بما يتعبه وما لا يطيقه.
(¬٢) أخرجه ابن جرير ١/ ٣٧١. وعلّقه ابن أبي حاتم ١/ ٥٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(¬٣) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٤٠، وابن جرير ١/ ٣٧١.
(¬٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٥٨ (٢٠٥).
(¬٥) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٢ - ٩٣.

الصفحة 145