كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة (اسم الجزء: 2)
غرضًا1 منك لرميت، بل أرى شبحًا، ولا إخال مثالا إلا كسراب2 بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، أما لو كنت كفئًا لرميت حصائلك3 بأذرب من ذلق4 السنان، ولرشقتك بنبال، تردعك عن النضال، ولخطمتك بخطام5، يخزم منك موضع الزمام6". فاتصل الكلام بابن عباس، فاستضحك7 من الفزاري، وقال: "أما لو كلف أخو فزارة نفسه نقل الصخور من جبل شمام 8 إلى الهضاب، لكان أهون عليه من منازعة أخي عبد القيس، خاب أبوه، ما أجهله! يستجهل أخا عبد القيس وقواه المريرة9! ثم تمثل:
صبت عليه ولم تنصب من أمم ... إن الشقاء على الأشقيْنَ مصبوب10
"مروج الذهب 2: 82"
__________
1 الغرض: الهدف.
2 السراب: ما يرى نصف النهار كأنه ماء، والقيعة جمع قاع: وهو أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام، ويجمع أيضًا على قيع "بالكسر" وقيعان وأقواع وأقوع.
3 الحصائل جمع حصيلة، يقال: حصل الشيء تحصيلا والاسم الحصيلة، قال لبيد:
وكل امرئ يوما سيعلم غيبه ... إذا حصلت عند الإله الحصائل
والمعنى: لرميت ما حصلته من العلم والمعرفة.
4 ذلق السنان واللسان كفرح: ذرب فهو ذلق وأذلق، وذلق السنان من إضافة الصفة إلى الموصوف.
5 الخطام: كل ما وضع في أنف البعير ليقتاد به، وخطمه بالخطام جعله على أنفه، أو جزَّ أنفه ليضع عليه الخطام، وخطمه بالكلام قهره ومنعه حتى لا ينبس.
6 خزم البعير: جعل في جانب منخره الخزامة "ككتابة" والزمام: ما يزم به.
7 استضحك الرجل وتضاحك بمعنى.
8 جبل بالعالية.
9 أي القوية، يقال: رجل مرير أي قوي ذو مِرة "والمرة بالكسر القوة".
10 الأمم: القرب.
134- رجل من آل صوحان يجي به 1 عبد الملك بن مروان وهو يخطب:
وخطب عبد الملك بن مروان، فلما بلغ الغلظة2، قام إليه رجل من آل صوحان، فقال: "مهلا مهلا يا بني مروان، تأمرون ولا تأتمرون، وتَنْهَوْنَ ولا تُنْهَوْن، وتعظون ولا تتعظون
__________
1 جبهه كقطعه: لقيه بما يكره.
2 وربما كان صوابها "العظة" أي مقام العظة والنصح بدليل قوله: "وتعظون ولا تتعظون".