كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة (اسم الجزء: 2)

إني والله يا أهل العراق، ومعدن الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، ما يقعقع لي بالشنان1، ولا يغمز جانبيّ كتغماز التين، ولقد فُرِرْتُ2 عن ذكاء، وفُتِّشْتُ عن تجربة، وجريت إلى الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين -أطال الله بقاءه- نثر كنانته3، بين يديه، فعجم4 عيدانها، فوجدني أمرَّها عودًا، وأصلبها مكسرًا5 فرماكم بي؛ لأنكم طالما أوضعتم6 في الفتن، واضطجعتم في مراقد الضلال، وسننتم سنن الغِيّ، أما والله لألحونكم7 لحو العصا، ولأقرعنك قرع المروة8، ولأعصبنكم عصب السلمة9، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل10؛ فإنكم لكأهل قرية {كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وإني والله لا أعدُ إلا وفيتُ، ولا أهم إلا أمضيتُ، ولا أخلَقُ إلا فَرَيْتُ11؛ فإياي وهذه الشفعاء، والزرافات12 والجماعات، وقالًا وقيلًا13، وما تقول؟ وفيم أنتم وذاك؟
__________
1 القعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره، والشنان: جمع شَنّ بالفتح، وهو القربة البالية، وهم يحركونها إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع: مثل يضرب لمن لا يُرَوِّعُهُ ما لا حقيقة له، وقد تمثل به معاوية من قبله.
2 فر الدابة: فتح حنكها وكشف أسنانها لينظر سنها، وفر عن الأمر: بحث عنه.
3 الكنانة: جعبة السهام. وفي رواية: "كب كنانته" أي قلبها.
4 عجم العود: عضه ليعرف صلابته من خوره.
5 وفي رواية "وأصلبها عمودًا".
6 أوضع إيضاعًا: أسرع في سيره كوضع.
7 لحا العصا: قشر، وفي رواية: "لحو العود".
8 المرو: حجارة بيض براقة توري النار.
9 السلمة: شجر كثير الشوك. قال الجاحظ في البيان والتبيين "لأن الأشجار تعصب أغصانها، ثم تخبط بالعصى لسقوط الورق وهشيم العيدان" "3: 21".
10 قال الجاحظ أيضًا: "3: 27" "وهي تضرب عند الهرب، وعند الخلاط، وعند الحوض أشد الضرب" وقال الحارث بن صخر:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب
11 أخلق: أقدر، وفريت: قطعت.
12 الشفعاء جمع شفيع، وكانوا يجتمعون إلى السلطان فيشفعون في أصحاب الجرائم؛ فنهاهم عن ذلك، والزرافات جع زرافة بفتح الزاي وضمها: الجماعة من الناس.
13 القول في الخير، والقال، والقالة في الشر.

الصفحة 290