كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة (اسم الجزء: 2)

حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي، وأنتم تتسللون لواذًا1، وتنهزمون سراعًا؟ ثم يوم الزاوية، وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، وبراءة الله منكم، ونكوص وليكم عنكم؛ إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها2، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي3 الشيخ على بنيه، حتى عضكم4 السلاح، وقصمتكم الرماح، ثم يوم دير الجماجم، وما يوم دير الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم5، بضرب يزيل الهام6، عن مقيله7، ويذهل الخليل عن خليله، يا أهل العراق، والكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات8، والنزوات9 بعد النزوات، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم10 وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون حسنة، ولا تشكرون نعمة، هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم11 خالع، إلا تبعتموه وآويتموه، ونصرتموه وزكيتموه؟ يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق: ألم تنهكم المواعظ، ألم تزجركم الوقائع؟ ".
ثم التفت إلى أهل الشام وهم حول المنبر، فقال: "يا أهل الشام؛ إنما أنا لكم كالظليم12 الرامح عن فراخه، ينفي عنها المدر13، ويباعد عنها الحجر، ويكنها
__________
1 أي يلوذ بعضهم ببعض: لاوذ لواذًا وملاوذة.
2 أعطان جمع عطن كسبب: مبرك الإبل حول الحوض كالمعطن، ونوازع: أي مشتاقة.
3 لا يلوي على أحد؛ أي لا يقف ولا ينتظر.
4 في نهاية الأرب "عظكم" بالظاء: عظته الحرب كعضته بالضاد.
5 جمع ملحمة وهي الوقعة العظيمة القتل.
6 جمع هامة، وهي الرأس.
7 موضعه، أي الأعناق، قال الشاعر:
بضرب بالسيوف رءوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل
8 جمع خترة، والختر كشمس: الغدر والخديعة أو أقبح الغدر.
9 جمع نزوة، من نزا نزوانا: أي وثب.
10 غل كنصر غلولًا: خان.
11 استعضده: سأله أن يعضده.
12 ذكر النعام، والرامح، أي المدافع، من رمحه: أي طعنه بالرمح.
13 قطع الطين اليابس.

الصفحة 294