كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة (اسم الجزء: 2)
بمكة- انصرف بجيشه إلى الشأم؛ فلما صاروا إلى المدينة، جعل أهلها يهتفون1 بهم، ويتوعدونهم، ويذكرون قتلاهم بالحرة، فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهَيْجَها، صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وكان في ذلك الجيش- فقال:
"يا أهل المدينة: ما هذا الإبعاد2 الذي توعدوننا؟ إنا والله ما دعوناكم إلى "كلب" لمبايعة رجل منهم، ولا إلى رجل من "بَلْقَيْن"3 ولا إلى رجل من "لَخْم" أو "جُذَام" ولا غيرهم من العرب، ولكن دعوناكم إلى هذا الحي من قريش -يعني بني أمية- ثم إلى طاعة يزيد بن معاوية، وعلى طاعته قاتلناكم، فإيانا توعدون؟ أما والله إنا لأبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت والمنون، فما شئتم"4، ومضى القوم إلى الشأم.
"مروج الذهب 2: 104، والبيان والتبيين 1: 208"
__________
1 يصيحون.
2 يقال: وعده خيرًا وبه، ووعده شرًّا وبه – ومن هذا قوله تعالى:
{النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير وعد وفي الشر أوعد، وقالوا أوعده خيرًا وشرًّا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشر خاصة؛ فقالوا أوعده بالسجن ونحوه.
3 أصله بنو القين كما قالوا: بلحارث في بني الحارث، وبلعنبر في بني العنبر. قال المبرد في الكامل 2: 183 "وكذلك كل اسم من أسماء القبائل تظهر فيه لام المعرفة؛ فإنهم يجيزون معه حذف النون التي في قولك "بنو" لقرب مخرج النون من اللام، وذلك قولك من بلحارث وبلعنبر وبلهجيم" أي بني الهجيم كزبير.
4 وروى الجاحظ أن روحًا خطب هذه الخطبة يدعو إلى بيعة يزيد بن معاوية، وفي آخرها يقول: "وعندنا إن أجبتم وأطعتم من المعونة والفائدة ما شئتم".