كتاب البحر المحيط في التفسير (اسم الجزء: 2)

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى، الْآنَ، فِي قَوْلِهِ: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ «1» أَيْ: فَهَذَا الزَّمَانُ، أَيْ: لَيْلَةَ الصِّيَامِ بَاشِرُوهُنَّ، وَهَذَا أَمْرٌ يُرَادُ بِهِ الْإِبَاحَةُ لِكَوْنِهِ وَرَدَ بَعْدَ النَّهْيِ، وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَيْهِ، وَالْمُبَاشَرَةُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ: الْجِمَاعُ، وَقِيلَ:
الْجِمَاعُ فَمَا دُونَهُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ تَلَاصُقِ الْبَشَرَتَيْنِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُعَانَقَةُ وَالْمُلَامَسَةُ. وَإِنْ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْجِمَاعُ، لِقَوْلِهِ: الرَّفَثُ، وَلِسَبَبِ النُّزُولِ، فَإِبَاحَتُهُ تَتَضَمَّنُ إِبَاحَةَ مَا دونه.
وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي: اطْلُبُوا، وَفِي تَفْسِيرِ: مَا كتب الله، أقوال.
أحدها: أَنَّهُ الْوَلَدُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: لَمَّا أُبِيحَتْ لَهُمُ الْمُبَاشَرَةُ أُمِرُوا بِطَلَبِ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُمْ وَأَثْبَتَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنَ الْوَلَدِ، وَكَأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُمْ ذَلِكَ لَا لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ فَقَطْ، لَكِنْ لِابْتِغَاءِ مَا شَرَعَ اللَّهُ النِّكَاحَ لَهُ مِنَ التَّنَاسُلِ:
«تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
الثَّانِي: هُوَ مَحَلُّ الْوَطْءِ أَيِ: ابْتَغُوا الْمَحَلَّ الْمُبَاحَ الْوَطْءِ فِيهِ دُونَ مَا لَمْ يُكْتَبْ لَكُمْ مِنَ الْمَحَلِّ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ «2» .
الثَّالِثُ: هُوَ مَا أَبَاحَهُ بَعْدَ الْحَظْرِ، أَيِ: ابْتَغُوا الرُّخْصَةَ وَالْإِبَاحَةَ، قَالَهُ قَتَادَةُ: وَابْنُ زَيْدٍ.
الرَّابِعُ: وَابْتَغُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، قَالَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ.
الْخَامِسُ: هُوَ الْقُرْآنُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزَّجَّاجُ. أَيِ: ابْتَغُوا مَا أُبِيحَ لَكُمْ وَأُمِرْتُمْ بِهِ، وَيُرَجِّحُهُ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ، وَمُعَاوِيَةِ بْنِ قُرَّةَ: وَاتَّبِعُوا مِنَ الِاتِّبَاعِ، وَرُوِيَتْ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
السَّادِسُ: هُوَ الْأَحْوَالُ وَالْأَوْقَاتُ الَّتِي أُبِيحَ لَكُمُ الْمُبَاشَرَةُ فِيهِنَّ، لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَمْتَنِعُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ والعدة والردّة.
__________
(1) سورة البقرة: 2/ 71. [.....]
(2) سورة البقرة: 2/ 222.

الصفحة 214