كتاب البحر المحيط في التفسير (اسم الجزء: 2)
السَّابِعُ: هُوَ الزَّوْجَةُ وَالْمَمْلُوكَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ «1» .
الثَّامِنُ: أَنَّ ذَاكَ نَهْيٌ عَنِ الْعَزْلِ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَائِرِ.
وكتب هُنَا بِمَعْنَى: جَعَلَ، كَقَوْلِهِ: كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ «2» أَوْ بِمَعْنَى: قَضَى، أَوْ بِمَعْنَى: أَثْبَتَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ: فِي الْقُرْآنِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَالْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ: ابْتَغُوا وَافْعَلُوا مَا أَذِنَ اللَّهُ لَكُمْ فِي فِعْلِهِ مِنْ غَشَيَانِ النِّسَاءِ فِي جَمِيعِ لَيْلَةِ الصِّيَامِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ:
وَأْتُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ لِمُخَالَفَتِهَا سَوَادَ الْمُصْحَفِ.
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا أَمْرُ إِبَاحَةٍ أَيْضًا، أُبِيحَ لَهُمْ ثَلَاثَةُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ لَيْلَةِ الصِّيَامِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ غَايَةُ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ مِنَ: الْجِمَاعِ، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ قِصَّةُ صِرْمَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَإِحْلَالُ الْجِمَاعِ بِسَبَبِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَإِحْلَالُ الْأَكْلِ بِسَبَبِ صِرْمَةَ أَوْ غَيْرِهِ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْخَيْطُ الْمَعْهُودُ، وَلِذَلِكَ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ خَيْطًا أَبْيَضَ وَخَيْطًا أَسْوَدَ، فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَا لَهُ، إِلَى أَنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
مِنَ الْفَجْرِ فَعَلِمُوا أَنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
رَوَى ذَلِكَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ نُزُولِ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ وَبَيْنَ نُزُولِ مِنَ الْفَجْرِ سَنَةٌ مِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَنْ لَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ- وَهُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ- وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ، فَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ لِمَعْنَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُهُ فَيَقُولُ: لَيْسَ بِعَبَثٍ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ وُجُوبَ الْخِطَابِ، وَيَعْزِمُ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا اسْتَوْضَحَ الْمُرَادَ بِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ النَّسْخِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلَتْ بِهِ، أَعَنِي بِإِجْرَاءِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ: مِنَ الْفَجْرِ، فَنُسِخَ حَمْلُ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ والخيط الأسود على
__________
(1) سورة المؤمنون: 23/ 6، وسورة المعارج: 70/ 30.
(2) سورة المجادلة: 58/ 22.
الصفحة 215