كتاب البحر المحيط في التفسير (اسم الجزء: 2)
وَسُمِّيَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنْفَاقًا مَجَازًا وَاتِّسَاعًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَأَنْفَقْتُ عمري في البطالة والصبي ... فَلَمْ يَبْقَ لِي عُمُرٌ وَلَمْ يَبْقَ لِي أَجْرُ
وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ: الْأَمْرُ بِصَرْفِ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ مِنْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ بِالنَّفْسِ، أَوْ بِتَجْهِيزِ غَيْرِهِ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَلَى عِيَالٍ، أَوْ فِي زَكَاةٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ عِمَارَةِ سَبِيلٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا اعْتَقَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِمَا قَبْلَهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْقِتَالِ وَالْأَمْرِ بِهِ، تَبَادَرَ إِلَى الذِّهْنِ النَّفَقَةُ فِي الْجِهَادِ لِلْمُنَاسَبَةِ.
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، أَمْسَكُوا عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: كَانَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي، فَنَزَلَتْ.
وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَضَمَّنَّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ، وَدَخَلَ فِيهِمْ وَخَرَجَ، فَقَالَ النَّاسُ: أَلْقَى بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: تَأَوَّلْتُمُ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا، وَمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ قُلْنَا: لَوْ أَقَمْنَا نُصْلِحُ مَا ضَاعَ مِنْ أَمْوَالِنَا، فَنَزَلَتْ.
وَفِي تَفْسِيرِ التَّهْلُكَةِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا: تَرْكُ الْجِهَادِ وَالْإِخْلَادُ إِلَى الرَّاحَةِ وَإِصْلَاحِ الْأَمْوَالِ، قَالَهُ أَبُو أَيُّوبَ.
الثَّانِي: تَرْكُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَوْفَ الْعَيْلَةِ، قَالَهُ حُذَيْفَةُ، وإن عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَابْنُ جُبَيْرٍ.
الثَّالِثُ: التَّقَحُّمُ فِي الْعَدُوِّ بِلَا نِكَايَةٍ، قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَلْخِيُّ.
الرَّابِعُ: التَّصَدُّقُ بِالْخَبِيثِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
الْخَامِسُ: الْإِسْرَافُ بِإِنْفَاقِ كُلِّ الْمَالِ، قَالَ تَعَالَى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا «1» وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ «2» قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ.
السَّادِسُ: الِانْهِمَاكُ فِي الْمَعَاصِي لِيَأْسِهِ مِنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ، قَالَهُ الْبَرَاءُ، وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ.
__________
(1) سورة الفرقان: 25/ 67.
(2) سورة الإسراء: 17/ 29.
الصفحة 251