كتاب البحر المحيط في التفسير (اسم الجزء: 2)
خَبِيرُونَ فِي طَعْنِ الْأَبَاهِرِ وَالْكُلَى أَيْ: بِطَعْنِ، لِأَنَّ خَبِيرًا لَا يَتَعَدَّى إِلَّا بِالْبَاءِ، كَمَا قَالَ.
خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَمْرُ اللَّهِ، إِذْ قَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
«1» وَتَكُونُ عِبَارَةً عَنْ بَأْسِهِ وَعَذَابِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ مَجِيءَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَقِيلَ:
الْمَحْذُوفُ: آيَاتُ اللَّهِ، فَجَعَلَ مَجِيءَ آيَاتِهِ مَجِيئًا لَهُ عَلَى التَّفْخِيمِ لِشَأْنِهَا، قَالَهُ فِي (الْمُنْتَخَبِ) . وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِيَهُمْ بِمُحَاسَبَتِهِمْ عَلَى الْغَمَامِ عَلَى عَرْشِهِ تَحْمِلُهُ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: الْخِطَابُ مَعَ الْيَهُودِ، وَهُمْ مُشَبِّهَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مع اليهود قول بَعْدُ: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، فَالْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، إِذِ الْمَعْنَى: أَنَّ قَوْمًا يَنْتَظِرُونَ إِتْيَانَ اللَّهِ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ وَلَا مُبْطِلُونَ.
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ «2» وَيَسْتَحِيلُ عَلَى الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ أَنْ تَحُلَّ فِي ظُلَّةٍ، وَقِيلَ: الْمَقْصُودُ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحُصُولِهَا وَشِدَّتِهَا، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَشَدُّ عَلَى الْمُذْنِبِينَ، وَأَهْوَلُ، مِنْ وَقْتِ جَمْعِهِمْ وَحُضُورِ أَمْهَرِ الْحُكَّامِ وَأَكْثَرِهِمْ هَيْبَةً لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ، وَإِذَا فُسِّرَ بِأَنَّ عذاب الله يأتيهم فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَكَانَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الشَّرُّ مِنْ جِهَةِ الْخَيْرِ، لِقَوْلِهِ: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ «3» وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهُوَ عَلَامَةٌ لِأَشَدِّ الْأَهْوَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ «4» وَلِأَنَّ الْغَمَامَ يُنْزِلُ قَطَرَاتٍ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، فَكَذَلِكَ الْعَذَابُ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْعَذَابَ لَا يَأْتِي فِي الظُّلَلِ، بَلِ الْمَعْنَى تَشْبِيهُ الْأَهْوَالِ بِالظُّلَلِ مِنَ الْغَمَامِ، كَمَا قَالَ:
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ «5» فَالْمَعْنَى أَنَّ عَذَابَ اللَّهِ يَأْتِيهِمْ فِي أَهْوَالٍ عَظِيمَةٍ، كظلل الغمام.
__________
(1) سورة النحل: 16/ 33.
(2) سورة البقرة: 2/ 57.
(3) سورة الأحقاف: 46/ 24.
(4) سورة الفرقان: 25/ 25.
(5) سورة لقمان: 31/ 32.
الصفحة 344