كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 2)

قال أبو عُمر: كان حُذَيْفَةُ رحِمَه اللهُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبو جَعْفَرٍ محمدُ بن عليٍّ، لا يَصومُون في السَّفَرِ (¬١)، وكان عَمْرُو بن ميمونٍ، والأسودُ بن يَزِيدَ، وأبو وائِلٍ، يَصومُون في السَّفَرِ، وكان ابنُ عمرَ يَكْرَهُ الصِّيامَ في السَّفَرِ. وعن سعيدِ بن جُبَيْرٍ مثْلُه (¬٢).
حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالحٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرٍ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمْرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنّما أرادَ اللهُ برُخصةِ الفِطرِ في السَّفرِ التيسيرَ عليكم، فمَن تيسَّرَ عليه الصومُ فلْيصُمْ، ومن تيسَّرَ عليه الفطرُ فلْيُفطِرْ (¬٣).
فإن قال قائلٌ ممَّن يميلُ إلى قولِ أهلِ الظَّاهرِ في هذه المسألَةِ: قد روي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "ليس البِرَّ - أو: ليس من البِرِّ - الصِّيامُ في السَّفرِ". وما لم يكُنْ من البِرِّ فهو من الإثم، واستَدلَّ بهذا على أنّ صومَ رمضانَ في السَّفَرِ لا يُجْزئُ. فالجوابُ عن ذلك: أنّ هذا الحديثَ خرَج لفظُه على شخصٍ معيَّنٍ، وهو رجلٌ رآه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائمٌ قد ظُلِّلَ عليه وهو يَجودُ بنفسِه، فقال ذلك القولَ، أي: ليس البِرَّ أن يبلُغَ الإنسانُ بنفسِه ذلك المبلَغَ، واللّهُ قد رخَّص له في الفِطرِ. والدليلُ على صحَّةِ هذا التأويلِ: صومُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في السَّفرِ، ولو كان الصومُ في السَّفر إثمًا، كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبعَدَ الناسِ منه.
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمادٍ، قال: حدَّثني عَمِّي إسماعِيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن
---------------
(¬١) ينظر مصنف ابن أبي شيبة (٩٠٦٤) و (٩٠٦٥).
(¬٢) ينظر مصنف ابن أبي شيبة (٩٠٨٠).
(¬٣) أخرجه الفريابي في الصيام (١١١)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٦٦ من طريق عبيد الله، به.

الصفحة 179