كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 2)

وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "أزْهَتْ"، و"احمَرَّت"، و"بَدَا صَلَاحُها" ألفاظٌ مختلفةٌ ورَدَت في الأحاديثِ الثابتةِ، معانيها كلُّها مُتَّفِقَةٌ، وذلك إذا بَدا طِيبُها ونُضْجُها، وكذلك سائرُ الثِّمارِ إذا بَدا صَلاحُ الجِنْسِ منها، وطاب ما يُؤْكَلُ منها الطِّيبَ المعهودَ (¬١) في التِّينِ والعِنَبِ وسائرِ الثِّمارِ، جاز بيعُها على التَّركِ في شَجَرِها حتى يَنْقَضِيَ أوانُها بطِيبِ جميعِها.
ولا يجوزُ بيعُ شيءٍ من الثِّمارِ ولا الزَّرع قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه (¬٢) إلّا على القَطعِ. وقد اختلَف الفقهاءُ قديمًا وحديثًا في ذلك، وقد أرجَأْنَا القولَ فيه إلى بابِ نافعٍ، فهناك تَرَاه إن شاء اللهُ.
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - "أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، ففيم يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ ". فيزعُمُ قومٌ أنّه من قولِ أنسِ بن مالكٍ، وهذا باطلٌ بما رواه مالك وغيرُه (¬٣) من الحُفّاظِ في هذا الحديثِ؛ إذ جعَلوه مرفوعًا من قولِ النبيِّ (¬٤) - صلى الله عليه وسلم -، وقد روَى أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه.
وتنازَع العُلماءُ في تأويلِ هذا الحديثِ؛ فقال قومٌ: فيه دليلٌ على إبطالِ قولِ مَن قال بوضعِ الجوائح؛ لأنّ نهيَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمرَةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها، وقولُه مع ذلك: "أرأيتَ إن مَنَعَ اللهُ الثمرةَ؟ "، أي: إذا بعتُم الثمرةَ قبلَ بُدُوِّ طِيبِها (¬٥)، ومنَعَها اللهُ، كنتُم قد ركِبتُم الغَرَرَ، وأخذتُم مالَ المبتَاعِ بالباطلِ؛
---------------
(¬١) في ف ١: "المعتاد".
(¬٢) في ف ١: "صلاح أوله".
(¬٣) في ف ١: "في حديثه هذا وتابعه جماعة".
(¬٤) رجح الوقف على الرفع أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان كما في الجرح والتعديل ١/ ٣٧٧، والدارقطني في علله ١٢/ ٦٠ - ٦١.
(¬٥) في ف ١: "صلاحها".

الصفحة 199