كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 2)

مُتَحَرِّيَها منكم فلْيَتَحَرَّها في ليلةِ سابعةٍ". قال معمرٌ: فكان أيُّوبُ يَغْتَسِلُ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين ويَمَسُّ طِيبًا (¬١).
وقولُه: "فمن كان منكم مُتَحَرِّيَها" دليلٌ على أن قِيامَ ليلةِ القدرِ فضيلةٌ لا فريضةٌ، وبالله التوفيقُ.
وقال آخرون: إنّما أرادَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقولِه هذا التاسعةَ من العشرِ الأواخِرِ، والسابعةَ منه، والخامسةَ منه. يعْنُون ليلةَ تسعٍ وعشرين، وليلةَ سبعٍ وعشرين، وليلةَ خمسٍ وعشرين. واحْتَجُّوا بقولِه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عمرَ: "التَمِسُوها في السبعِ الأواخِرِ" (¬٢). قالوا: فيَدْخُلُ في ذلك ليلةُ تسعٍ وعشرين، فغيرُ نكيرٍ أن تكونَ تلك التاسعةَ المذكورَةَ في الحديثِ. وكذلك تكونُ السابعةُ ليلةَ سبعٍ وعشرين، والخامسةُ ليلةَ خَمْسٍ وعشرين. قالوا: وليس في تقديمِه لها في لفظِه وعَطْفِه ببعضِها على بعضٍ بالواوِ ما يدُلُّ على تقديم ولا تأخير.
قال أبو عُمر: كلُّ ما قالُوه من ذلك يَحْتَمِلُ، إلّا أنّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "تاسعةٍ تَبْقَى، وسابعةٍ تَبْقَى، وخامسةٍ تَبْقَى" يقضِي للقولِ الأوَّلِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ، والتَمِسُوها في كلِّ وتْرٍ" (¬٣). وهذا أعّمُّ من ذلك؛ لِما فيه من الزِّيادَةِ في الليالي التي تكونُ وتْرًا. وفيه دليلٌ على انْتِقالِها، واللهُ أعلمُ، وأنّها
---------------
(¬١) أخرجه أحمد ٨/ ٨٩ (٤٤٩٩)، وابن خزيمة (٢١٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩١ من طريق أيوب عن نافع، به.
وأخرجه البخاري (٢٠١٥)، ومسلم (١١٦٥) (٢٠٥) من طريق مالك عن نافع، به، وهو في الموطأ بلاغًا (٨٩٥).
(¬٢) الموطأ (٨٩٢)، وهو في الصحيحين، كما بيناه في تعليقنا عليه.
(¬٣) أخرجه البخاري (٢٠٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري.

الصفحة 215