كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 2)
عن عائشة قالت: كان يُرَى وَبيصُ الطِّيبِ في مَفارِقِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ ثلاثٍ وهو مُحْرِم (¬١).
قالوا: والصحيحُ في حديثِ ابنِ المنتَشِرِ ما رواه شعبة، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ المنتَشِر، عن أبيه، أنّه سأل ابنَ عمرَ عن الطِّيبِ عندَ الإحرام، فقال: لأنْ أتَطيَّبَ بقَطِرانٍ أحَبُّ إليَّ من أن أفعل. قال: فذكَرْتُه لعائشة، فقالت: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمن، قد كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فيطوفُ على نسائِه، ثم يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا (¬٢). قالوا: والنَّضْخُ في كلام العَربِ: اللَّطْخُ والجَرْيُ والظُّهورُ، قال الله عزَّ وجلَّ: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: ٦٦]. قال النابِغَة:
مِن كلِّ بَهْكَنَةٍ (¬٣) نَضْخُ العَبِيرِ بها ... لا الفُحْشُ يُعْرَفُ مِن فيها ولا الزُّورُ
يريد: لطْخَ العَبيرِ بها.
قالوا: ولا معنَى لحديثِ الأعرابيِّ في هذا لمَعان: منها: أنّه يَحتمِلُ أن يكونَ الأعرابيُّ تَطيَّبَ بعدَما أحْرَم.
ومنها: أنّه كان عامَ حُنَيْن، وتَطيُّبُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ إحْرامِه في حَجَّةِ الوَداع، فلو كان ما تَطيَّبَ به الأعرابيُّ يومئذٍ مُباحًا للرِّجال في حالِ الإحلال، مُحَظَّرًا عليهم في الإحرام، كان ذلك مَنْسوخًا بفِعْلِه عامَ حَجَّةِ الوَداع - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: وقد صَحَّ وعُلِم أنَّ الطِّيبَ الذي كان على الأعرابيِّ يومئذٍ كان خَلُوقًا، والخَلُوقُ لا يجوزُ للرِّجالِ في حالِ الحلِّ ولا في حالِ الإحْرام.
واحْتَجُّوا فيما ذهَبوا إليه من هذا الحديثِ (¬٤) بحديثِ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْب،
---------------
(¬١) تقدم تخريجه.
(¬٢) تقدم تخريجه أيضًا.
(¬٣) هي الجارية الخفيفة الروح الطيبة الرائحة.
(¬٤) لفظة "الحديث" لم ترد في الأصل.