كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 2)
واحتجُّوا أيضًا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: ١٠٣]. والحديث: "لا سائبةَ في الإسلام" (¬١). وبما رواه أبو قيسٍ، عن هُزَيلِ بن شُرَحبيل، قال: قال رجلٌ لعبدِ الله بن مسعودٍ: إنِّي أعتَقتُ غُلامًا لي سائبةً، فماتَ وترَك مالًا. فقال عبدُ الله: إنَّ أهلَ الإسلام لا يُسَيِّبون، إنَّما كانت تُسيِّبُ الجاهليّةُ، أنتَ وارِثُه ووليُّ نعمتِه (¬٢).
وقد روَى ابنُ جريج، عن عطاءٍ، أنَّ طارقَ بنَ المرقَّعِ كان أميرًا على مكَّةَ، فأعتَق سوائِبَ فماتوا، فجاءُوا بالميراثِ إلى عمرَ، فقال: أعطُوه ورَثَتَه، فأبَى الورَثَةُ أن يَقبلُوه، فاشتَرَوا به رِقابًا فأعتَقُوهم (¬٣).
قال أبو عمر: روَى شعبةُ، عن سلمةَ بنِ كُهيلٍ، قال: سمِعتُ أبا عمرٍو الشيبانيَّ قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقولُ: السائبةُ يَضعُ مالَه حيثُ شاء (¬٤).
وهذا معناه أنَّ المعتِقَ له سائبةً لم يكنْ حيًّا ولا عَصَبَتُه، ومَن كانت هذه حالَه، فمَذهبُ ابن مسعودٍ فيه وفي كلِّ مَن لا وارِثَ له، أنَّه يَضَعُ مالَه حيثُ شاء.
---------------
(¬١) يُروى بهذا اللفظ عن ابن مسعود رضي الله عنه من قوله، ذكره محمد بن الحسن الشيباني في الموطأ بعد الحديث (٨٣٩).
(¬٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنّف ٩/ ٢٥ (١٦٢٢٣) والبخاري (٦٧٥٣) من طريق عبد الرحمن بن ثروان أبي قيس الأوديّ، به.
(¬٣) أخرجه الشافعيُّ في الأُمّ ٤/ ١٣٩، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٠٠ (٢٢٠٠١) عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن جريج، به. وعطاء بن أبي رباح لم يدرك عمر رضي الله عنه.
(¬٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف (٣٢٠٨٥)، والدارمي في سننه (٣١١٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٤٠٣ (٧٤٦٣)، وابن المنذر في الأوسط ٧/ ٥٢٨ (٦٩٤٦)، وابن الأعرابي في معجمه (٧٥٣)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٠٢ (٢٢٠٠٩) من طرق عن شعبة بن الحجّاج، به. وإسناده إلى ابن مسعود رضي الله عنه صحيح. أبو عمرو الشيباني: هو سعد بن إياس.